in ,

المبادئ العشرة لليبرالية الكلاسيكية

تتميز الليبرالية الكلاسيكية بعشرة مبادئ أساسية توضح أبرز أفكارها وأهدافها.

الحرية

يعطي الليبراليون الكلاسيكيون الأولوية للحرية الفردية في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وهم يدركون أن حريات الناس المختلفة قد تتعارض وتختلف على حيث تكمن حدود الحرية، ولكنهم يوافقون بشكل عام على ضرورة زيادة الحرية الفردية إلى الحد الأقصى مع تقليل استخدام القوة والإكراه إلى الحد الأدنى.

يريدون زيادة الحرية في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ومع ذلك، لديهم أسباب مختلفة لهذا الاستنتاج، بالنسبة للكثيرين الحرية جيدة في حد ذاتها، وهم يجادلون من خلال علم النفس بأنه في ضوء الاختيار يفضل الناس أن يكونوا أحرارًا على أن يتم إكراههم. يقول مناصرو الحقوق الطبيعية بأن الحرية شيء يمنحنا إياه الله أو الطبيعة.

ويزعم البعض أن الحرية تستند إلى عقد اجتماعي يجب على الناس في حالة الطبيعة أن يتفقوا عليه إذا ما أرادوا تجنب الفوضى والصراع. يشير الكثيرون إلى أن الحرية هي شرط أساسي للتقدم البعض يصنعون نقطة إنسانية، وأن الحرية جزء أساسي من معنى أن تكون إنسانًا بحيث أن الشخص الذي يسيطر عليه الآخرون ليس شخصًا كاملًا بل مجرد تشفير أو رقم من بين الأرقام الاخرى.

وأخيرًا، فإن الليبراليين الكلاسيكيين النفعيين يقدرون الحرية كطريقة أفضل لتعظيم رفاهية المجتمع ككل.


الفردانية (أسبقية الفرد عن الجماعة)

“أصغر أقلية على الأرض هي الفرد.”
– آين راند

يرى الليبراليون الكلاسيكيون أن الفرد أكثر أهمية من الجماعة، فهم لن يضحوا بحرية الفرد من أجل بعض المنفعة الجماعية. لديهم عدة أسباب مختلفة لهذا، فهناك وجهة نظر تُسمى بالفردية المنهجية، وهي أنه ليس للجماعة وجود يتجاوز الأفراد الذين يشكلونها.

بالتأكيد المجتمع أكثر من مجرد مجموعة من الأفراد كما أن المنزل هو أكثر من مجرد مجموعة من الطوب، لكن ليس لدى المجتمع عقل مستقل خاص به، بل يتكون من أفراد مستقلين هم الذين يفكرون ويقدرون ويختارون ويقودون الأحداث. لا توجد مصلحة عامة جماعية تتجاوز مصالح الأفراد الذين يشكلون ذلك المجتمع.

وثانيًا، يختلف هؤلاء الأفراد المستقلين فيما بينهم، فما هو في مصلحة شخص واحد قد يكون ضد مصلحة الآخرين.

إن حقيقة التضحية بالحرية الفردية من اجل الجماعة هي أننا سنضحي بها إلى مجموعة معينة من المصالح وليس لمصالح الجميع.

السبب الثالث لأسبقية الفرد عن الجماعة هو ببساطة التجربة.

يعطينا التاريخ كمًّا من الأمثلة عن الأهوال التي حدثت للسكان عندما تتم التضحية بحريتهم حسب مفهوم بعض القادة الخاطئين عن الصالح العام. حتى في الآونة الأخيرة، لا يحتاج المرء إلا إلى التفكير في الفظائع التي ارتكبها هتلر، والتجويع والتطهير تحت حكم ستالين، أو عمليات القتل الجماعي التي أمر بها بول بوت من أجل الصالح العام والجماعة.

رابعًا، المجتمع معقد للغاية وفي حالة تغير مستمر، لا يمكن لأي سلطة واحدة أن تعرف ما هو الأفضل للجميع في هذا العالم المعقد والديناميكي. الأفراد هم في وضع أفضل بكثير لاتخاذ القرارات لأنفسهم وينبغي تركهم أحرار للقيام بذلك.

وينبغي للحكومات نفسها أن تلتزم بسيادة القانون، وينبغي وضع قانون عادل موضع التنفيذ وفقًا للمبادئ والعمليات المقبولة.

ثمة ظاهرة ظهرت بين المحكومين، وهي فئة من الشعب زعمت أنها الأغلبية وراحت تقمع الأقلية، الأمر الذي أدى بهذه الأغلبية إلى الطغيان، وأطلق عليها جون ستيوارت ميلطغيان الأغلبية“. ومع الوقت تحول هذا الطغيان من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي، ومن ثم ظهر مصطلح “الرأي العام“، وهو يعني بأنه من حق المجتمع أن يطلب من جميع أعضائه الإنصياع للرأي العام، ويؤدي هذا التفكير بشكل مباشر لبتر وقمع الحرية تحت نظام شمولي يقمع حرية الأفراد وحقوقهم الطبيعية.

وكما يقول الفيلسوف جون ستيوارت ميل للتعبير عن أسبقية الفرد عن الجماعة:

“إذا انعقد إجماع البشر على رأي وخالفه في هذا الرأي فرد واحد، ما كان من حق البشرية في إخراس هذا الفرد”.


التشكيك في السلطة (خفض الإكراه)

يختلف الليبراليون الكلاسيكيون عن الدور الدقيق للدولة، لكنهم يرغبون عمومًا في الحد من استخدام القوة سواء من الأفراد أو الحكومات. إنهم يدعون إلى دول صغيرة تظل مقيدة بقواعد معروفة، فالمشكلة الرئيسية في السياسة لا تتمثل في كيفية اختيار القادة، ولكن كيفية تقييدهم بمجرد حصولهم على السلطة.

فالفرد هو المقرر الفعلي لأي شيء من اهتماماته واختياراته، و ليس لدى الدولة أي حق في القيام بمنع وإكراهه على القيام بعكس ما يريد القيام داخل اطار حريته وحقوقه الطبيعية.

يريد الليبراليون الكلاسيكيون تقليل الإكراه، إنهم يريدون عالمًا يتفاهم فيه الناس بالاتفاق السلمي وليس العالم الذي يستخدم فيه أي شخص القوة أو التهديد لاستغلال أو فرض إرادته على الآخرين، وبناءً على ذلك فإن الليبراليين الكلاسيكيين يعطون احتكار استخدام القوة للحكومة والسلطات القضائية، لكنهم يريدون الحفاظ على ذلك إلى الحد الأدنى الضروري، ويعرفون مدى سهولة إساءة استخدام السلطة.

يؤكد الليبراليون الكلاسيكيون أن أي استخدام للقوة لكبح تصرفات الأشخاص يجب أن يكون مبررًا يقع العبء على أي شخص يريد تقييد الحرية لإثبات أن ذلك ضروري ومفيد بما فيه الكفاية لضمان ذلك. وبشكل عام يقضي الليبراليون الكلاسيكيون بأنه ينبغي أن يكون الأفراد قادرين على عيش حياتهم كما يختارون دون الحاجة إلى طلب إذن من أحد قبل أن يفعلوا شيئًا، قد يكون هناك سبب وجيه للحد من أفعالهم، لكن الأمر متروك لأولئك الذين يريدون فعل ذلك لإثبات شرعية القضية.

سيادة القانون

هناك مبدأ آخر يقيد السلطة ويخلق المزيد من الأمن للناس وهو حكم القانون.

تُعتبر هذه هي الفكرة القائلة بأنه علينا أن نحكم من خلال قوانين معروفة وليس من خلال قرارات تعسفية من المسؤولين الحكوميين، وهو ما أطلق عليه رجل الدولة الأمريكي جون آدامز “حكومة قوانين، وليس رجال”، يصر الليبراليون الكلاسيكيون على أن القانون يجب أن ينطبق على الجميع بالتساوي بغض النظر عن الجنس، أو العرق، أو الدين، أو اللغة، أو الأسرة، أو أي خصائص أخرى غير ذات صلة.

يجب أن ينطبق على الموظفين الحكوميين بقدر ما ينطبق على الناس العاديين، ولا ينبغي أن يكون أحد فوق القانون. ومن أجل الحفاظ على سيادة القانون يتطلب ذلك نظامًا للعدالة مع محاكم مستقلة لا يمكن التلاعب بها من قبل الأفراد أو الحكومات.

يجب أن تكون هناك مبادئ قضائية أساسية مثل حق المثول أمام القضاء والمحاكمة بواسطة هيئة المحلفين، ومراعاة الأصول القانونية لمنع من هم في السلطة باستخدام القانون لمصلحتهم الخاصة.

إن لسيادة القانون نتيجة جيدة أخرى فهي تجعل الحياة أكثر قابلية للتنبؤ لأنها تمكننا من توقع كيف سيتصرف الناس (بما في ذلك المسؤولين) أو لن يتصرفوا. حتى نتمكن من وضع خطط طويلة الأجل دون خوف من تحطيمها بسبب نزوة الآخرين.

و من أجل مجتمع متماسك، ونظام مستقر، واقتصاد حيوي يلعب مؤشر سيادة القانون دور مهم لإعطاء نتائج إيجابية في المجتمع بأكمله.

المجتمع المدني

يعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن الجمعيات التطوعية هي وسيلة أفضل في توفير احتياجات الأفراد أكثر من الحكومات.

رغم أنهم يؤكدون على أولوية الأفراد فإنهم يدركون أن الناس ليسوا كائنات منعزلة أو كائنات ذاتية. على العكس فالناس يعتبرون حيوانات اجتماعية تعيش في عائلات، وجماعات، ومجتمعات والتي تشكل جزئيًا قيمها من خلال النوادي، والجمعيات، والاتحادات، والأديان، والمدارس، والمجتمعات على الإنترنت، والحملات، ومجموعات المساعدة الذاتية، والجمعيات الخيرية، وجميع المؤسسات الأخرى التي نسميها مجتمع مدني.

هذه المؤسسات هي جزء مهم من كيفية ارتباط الأفراد ببعضهم البعض تتشكل نظرتنا وقيمنا وإجراءاتنا داخلها، وهي توفر أساس التفاهم المتبادل الذي يمكن بناء التعاون معه. في الواقع سيكون التعاون مستحيلًا بدون حرية الانضمام على هذا المنوال.

يوفر المجتمع المدني أيضًا حاجزًا بين الأفراد والحكومات، إذا كنا جميعًا معزولين حقًا فإن حرياتنا ستُخضع بسهولة لحكومة مستبدة، لكن الدوائر المتداخلة المعقدة للمجتمع المدني لا تُظهر فقط أن بدائل الإجراء الحكومي ممكنة، فالمؤسسات الخيرية الخاصة على سبيل المثال بدلًا من رفاهية الدولة تعطينا المصلحة المشتركة والقوة التي نقاومها.

هناك أمثلة عديدة من عدة دول رأسمالية تظهر كيف أن المؤسسات الخيرية الخاصة والشركات الخاصة تساهم في الخير وتساعد الناس بنسبة أكبر وأفضل مما تقوم به الحكومة.


النظام التلقائي Spontaneous order

قد يعتقد البعض أن مجتمعًا كبيرًا ومعقدًا يحتاج إلى حكومة كبيرة وقوية لتسييره، لكن الليبراليين الكلاسيكيين يعارضون هذا فهم يعتقدون أن الحكومة ليست أساس النظام الاجتماعي، فالمؤسسات الاجتماعية المعقدة التي نراها من حولنا غير مخططة إلى حد كبير. هم نتيجة عمل بشري، ولكن ليس للتصميم البشري. على سبيل المثال، لم تكن هناك حاجة لسلطة مركزية أو تخطيط واعٍ لإنتاج اللغة أو عاداتنا وثقافتنا أو أسواق السلع والخدمات. هذه المؤسسات تنمو ببساطة وتتطور من التفاعلات التي لا حصر لها بين الناس الأحرار. إذا كانت على مر القرون مفيدة ونافعة فإنها تستمر إذا لم تكن كذلك فإنها تتغير أو يتم التخلي عنها.

دعا الاقتصادي المنتمي للمدرسة النمساوية فريدريك هايك إلى تسمية نتيجة هذا بالنظام التلقائي. يمكن أن تكون الأنظمة التلقائية شديدة التعقيد، فهي تتطور من خلال الأفراد الذين يتبعون قواعد السلوك مثل قواعد الصرف التي قد لا يدركون أنهم يتبعونها ولا يمكنهم وصفها بالكاد. إنها ذروة الحماقة في السياسيين والمسؤولين أن نفترض أن أي عقل واحد يمكن أن يفهم مثل هذه الأمور المعقدة أو أن يتم التحكم بها.

يُنظر إلى حرية التعبير والتسامح المتبادل على أنها أسس ضرورية للتعاون السلمي بين الأشخاص الأحرار، يؤدي هذا التعاون إلى ظهور أنظمة اجتماعية تلقائية (مثل الأسواق والعادات والثقافة واللغة) تكون أكثر تعقيدًا وكفاءةً وتكيفًا بشكل لا نهائي من أي شيء يمكن تصميمه مركزيًا.

في مقال سابق بعنوان الأصول المشتركة للتطور والاقتصاد قمت بشرح هذه الفكرة بشكل أكثر، من يريد أن يفهم الفكرة أكثر يمكن له الرجوع للمقال السابق.

السوق الحر (الرأسمالية)

يعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن الحكومات لا تُنشئ الثروة، ولكن تنشأ من خلال التعاون المتبادل بين الأفراد في النظام التلقائي للسوق. يأتي الرخاء من خلال الأفراد الأحرار الذين يخترعون، ويخلقون، ويدخرون، ويستثمرون، ويتبادلون السلع والخدمات طواعيةً لتحقيق مكاسب متبادلة هذا هو النظام التلقائي لاقتصاد السوق الحر.

ينمو هذا النظام الاجتماعي من قاعدة بسيطة: احترام الملكية الخاصة والعقد مما يسمح بالتخصص والتجارة.

يعتمد اقتصاد السوق والثروة التي يولدها على حرية حركة الناس، والسلع، والخدمات، ورؤوس الأموال، والأفكار، ووجود الثروة الخاصة يجعل من السهل على الناس مقاومة استغلال حكومة شمولية. لا يسمح الليبراليون الكلاسيكيون بالحصول على الممتلكات بالقوة. في الواقع يقوم المالكون بإنشاء معظم الملكيات، وزراعة أغلب محاصيل، وبناء منازل، وتطوير الابتكارات.

دائمًا ما تعود الملكية الخاصة بالفائدة على المالك، لكنها في الواقع تفيد الجميع لأنها تعزز الرخاء الأوسع.

في السوق الحرة، تحدد السوق المفتوحة والمستهلكون أسعار السلع والخدمات، حيث تكون قوانين وقوى العرض والطلب خالية من أي تدخل من جانب الحكومة، أو احتكار الأسعار، أو غير ذلك من سلطة. يتناقض مؤيدو مفهوم السوق الحر مع السوق المنظم حيث تتدخل الحكومة في العرض والطلب من خلال طرق مختلفة مثل التعريفات المستخدمة لتقييد التجارة وحماية الاقتصاد. في اقتصاد السوق الحر، يحدد قانون العرض والطلب أسعار السلع والخدمات بحرية، ويسمح لها بالوصول إلى نقطة توازنها دون تدخل من الحكومة والسياسيين.

نجد اليوم أن جميع الدول المتقدمة التي يعيش سكانها في رخاء وثراء وصلت لهذا المستوى من خلال تطبيق نظام اقتصاد السوق. لمن يريد التأكد من هذا يمكن لكم الرجوع لمقالاتنا السابقة حول الدول العظمى التي تتميز بالثراء والرفاهية وكيف قامت بالوصول لهذه النتيجة.

التسامح

يعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن السبب الوحيد الجيد للتدخل في حرية الناس هو منعهم من القيام بإيذاء فعلي للآخرين، فهم لا يعتقدون أنه يجب علينا تقييد إجراءات أو تصرفات الأشخاص لمجرد أننا نرفضهم، أو نختلف معهم، أو نعتبر تصرفاتهم جارحة.

يقدم الليبراليون الكلاسيكيون حججاً مختلفة من أجل التسامح يعتقد الكثيرون أن إجبار الناس على فعل أشياء ضد إرادتهم أمر مكلف ومدمر للمجتمع بحيث يأتي بنتائج سيئة.

لا يرى آخرون أي مبرر للتدخل في اختيارات نمط حياة الناس شريطة عدم تعرض أي شخص آخر للأذى.

يدافع الليبراليون الكلاسيكيون أيضًا عن حرية التعبير بشكل مطلق، حتى لو استخدم بعض الناس هذه الحرية في قول أشياء قد يراها الآخرون أو الجميع مكروهة. وبالمثل ينبغي أن يكون الأفراد أحرارًا في التجمع في مجموعات مثل الأندية أو النقابات أو الأحزاب السياسية حتى إذا وجد أشخاص آخرون أهدافهم وأنشطتهم بغيضة. وينبغي أن يكونوا أحرارًا في الاتجار بالسلع والخدمات حتى السلع (مثل المخدرات والبغاء) التي قد يعارضها الآخرون.

لدينا مقال في الموقع حول تجارة المخدرات وإيجابيات تقنينها عوض خلق حر مخدرات. لمن يريد فهم الموضوع يمكن له الرجوع للمقال السابق:

السلام (مبدأ عدم التدخل)

يُعتبر مبدأ عدم التدخل سياسةً خارجيةً يتبناها الليبراليون الكلاسيكيون والليبرتاريون، بحيث يقضي هذا المبدأ بتجنب الحكام السياسيون عقد تحالفات مع دول أخرى أو الدخول في الحروب التي لا صلة مباشرة لها بالدفاع عن النفس، ولكن يرون أنه من المهم الإبقاء على مستوى الدبلوماسية.

يستند هذا المفهوم على أساس أن الدولة يجب ألا تتدخل في السياسات الداخلية لدول أخرى تحقيقًا لمبادئ سيادة الدولة.

كان الآباء المؤسسون لأمريكا من المؤيدين التاريخيين لسياسة عدم التدخل كجورج واشنطون وتوماس جفرسون الذَين دعما عدم التدخل في الحروب الأوروبية مع الإبقاء على ممارسة التجارة الحرة.

وللقيام بالمحافظة على السلام وتجنب الحروب، يرى الليبراليون الكلاسيكيون أن التجارة الحرة هي الجواب الوحيد لهذا، يُظهر التاريخ لنا حقيقة هذا الأمر، فمن خلال التجارة الحرة نجد كيف أن الأمم بسبب اهتمامها بالتجارة مع دولة أخرى تجد نفسها في موقف رابح في ظل السلام والتجارة بدل موقف الحرب والحمائية.

دافع الليبراليون الكلاسيكيون عن سياسات لزيادة الحرية والازدهار، وسعوا إلى تمكين الطبقة التجارية سياسيًا، وإلغاء المواثيق الملكية، والاحتكارات، والسياسات الحمائية للماركانتيلية من أجل تشجيع ريادة الأعمال وزيادة الكفاءة الإنتاجية، كما توقعوا أن الديمقراطية واقتصادات التجارة الحرة وعدم التدخل ستخفض من وتيرة الحرب.

يوضح لنا الفيلسوف إيمانويل كانت هذا الأمر بقوله إنه:

“بحكم اهتمامهم المشترك تقوم الطبيعة بتوحيد الناس ضد العنف والحرب… لا يمكن أن تتعايش روح التجارة مع الحرب، وعاجلًا أم آجلًا تهيمن هذه الروح على كل الناس. بالنسبة إلى جميع هذه القوى… التي تنتمي إلى أمة قد تكون القوة المالية هي الأكثر موثوقيةً في إجبار الأمم على متابعة قضية السلام النبيلة… وفي كل مكان تهدد فيه الحرب العالمية سوف يحاولون إبعادها من خلال الوساطة تمامًا كما لو كانوا دوريين دائمًا لهذا الغرض”.

أبرز الدول التي تقوم اليوم بتطبيق سياسة عدم التدخل هي:

واليوم بفضل الليبرالية الكلاسيكية والتطور الانساني أصبحنا نعيش في عالم حلت فيه التعريفات الجمركية والعقوبات محل الدبابات والمروحيات.


الحكومة المحدودة أو الدولة الحارسة

يقر الليبراليون الكلاسيكيون بأن هناك حاجة إلى بعض القوة لمنع الناس من جرح وإيذاء الآخرين، وعلى أن السلطات وحدها هي التي يجب أن تتمتع بهذه السلطة. ومع ذلك فإنهم يعرفون أن القوة لا تمارسها دولة نزيهة بل هي كائنات بشرية فعلية لها نفس الإخفاقات مثل بقية الناس. إنهم يعرفون أن السلطة تميل إلى الفساد وأن السياسيين غالبًا ما يستشهدون بالمصلحة العامة للسياسات التي هي في الواقع في مصلحتهم الخاصة. بالإضافة إلى ذلك، يرى منظّرو العقود الاجتماعية مثل الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن قوة الحكومة تأتي من الأفراد وليس العكس، يتخلى الناس عن بعض حرياتهم للحكومة من أجل زيادة حريتهم بشكل عام.

تكون وظيفة الحكومة الوحيدة هي حماية الأفراد من الاعتداء، والسرقة، والإخلال بالعقود، والغش، وتكون المؤسسات الحكومية الشرعية الوحيدة هي المؤسسة العسكرية، والشرطة، والمحاكم، والسلطات التشريعية والتنفيذية.

يقول المدافعون عن الدولة الحارسة إنه لا يحق للدولة استخدام احتكارها للقوة للتدخل في المعاملات الحرة بين الأشخاص، ويرون أن المسؤولية الوحيدة للدولة هي ضمان حماية العقود المبرمة بين الأفراد وحماية الممتلكات من خلال نظام المحاكم القانونية وإنفاذ القانون، وبشكل عام يرون أنه نهج عدم التدخل في الاقتصاد يؤدي بشكل واضح إلى الازدهار الاقتصادي.

لذا لا تملك الحكومة أي سلطات مشروعة تتجاوز الصلاحيات التي يتمتع بها الأفراد أنفسهم والغرض كله من الحكومة هو توسيع الحرية وليس لتقييدها، وكما قال المفكر الثوري الأمريكي توماس باين سيكونون ضمن حقوق المواطنين الإطاحة بأي حكومة تكسر هذه الثقة، لكن تُعتبر الثورة الحل الأخير.

يعتقد الليبراليون الكلاسيكيون أن الديمقراطية التمثيلية والدستورية هي أفضل وسيلة تم اكتشافها حتى الآن لإخضاع مشرعينا للمساءلة أمام الشعب، لا تقتصر الانتخابات على اختيار القادة الجيدين بل إزالة الأحزاب السيئة كلما كان الناخبون أكثر استنارة وأكثر يقظة عملوا بشكل أفضل.

ومع ذلك فإن للديمقراطية حدودها، فقد تكون طريقة جيدة لاتخاذ بعض القرارات، ولكن تعتبر قليلة، فعادةً ما يكون من الأفضل السماح للأفراد باتخاذ خياراتهم الخاصة.

وكما تقول الفيلسوفة آين راند في مقال طبيعة الحكومة:

“إن حماية حق الفرد هو الهدف المناسب الوحيد للحكومة، إنه الموضوع الوحيد السليم للتشريع: يجب أن تستند جميع القوانين على الحقوق الفردية وتهدف إلى حمايتها”.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما رأيك في هذا المحتوى؟

محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لماذا لا يكفي أن تكون لطيفًا؟ يجب أن تكون ذكيًّا كذلك.

الحرب هي عدو للحرية – تأليف: لودفيج فون ميزس