شغف المعرفة

قراءة في كتاب: ثروة الأمم

يعرض المجلدان الأول والثاني من الكتاب السمات المميزة للمجتمع البشري، كالميل إلى التبادل، وتقسيم العمل، وعوامل الإنتاج، وآليات الأسواق وتوزيع العائد على المشاركين. أما المجلد الثالث فيضع بريطانيا القرن الثامن عشر في سياق التطور الاجتماعي للمجتمع: من مرحل الصيد البدائية مرورًا بالرعي والزراعة وانتهاءً بعصر التجارة. ويبين كيف أن سقوط روما في القرن الخامس أدى إلى عرقلة هذا التقدم الطبيعي في أوروبا الغربية، وعندما بدأت أوروبا تتعافى بعد القرن 15 عانت من عوائق السياسات التي كانت تُعرف باسم التجارة المركنتيلية، والتي ينتقدها المجلد الرابع من الكتاب نقدًا لاذعًا بسبب خطئها الرئيسي المتمثل في القول بأنه تُبنى ثروة البلاد من تراكم سبائك الذهب والفضة، وأن الميزان التجاري كان ضروريًا لأنه كان يتوجب على الدولة أن تصدر أكثر مما تستورد. والأسوء من ذلك أن هذا المبدأ كان يعتقد بأن الاقتصاد المحلي يصبح أقوى بفضل ممارسة الاحتكار الحمائي، والقيود المفروضة على مجال التوظيف، وحركة القوة العاملة، والتدخلات في حريات الأسواق الطبيعية.

تمحور رد فعل سميث على هذه الأفكار والأخطاء حول تحرير الأسواق من التدخلات التي غيرت آلية عملها الطبيعية. وكان يؤيد توسيع نطاق التبادل الحر للمخرجات المنتجة تنافسيًا من أجل السماح بتحقيق المعدل الطبيعي للنمو الاقتصادي.

في المجلد الخامس يتناول سميث الأدوار المناسبة للحكومات، ويحدد وظائفها الأساسية في الدفاع، والعدل، والمؤسسات العامة التي تسهل الأداء التجاري.

لا تتعرض الأمم العظيمة أبدًا إلى الفقر بسبب التبذير وإساءة التصرف من جهة خاصة، لكنها قد تعاني ذلك أحيانًا بسبب صدور الأمر نفسه من جهة عامة. إن الشخص العادي يعلم بأنه من الواجب عليه أن يدخر ويستثمر إن كان يرغب في تحسين وضعه، لكن الحكومات تركز بشكل أقل على أهمية الحفاظ على رأس المال، حيت يتمثل دورها في الإنفاق على الخدمات المحلية، و ليس في الاستثمار والإنتاج .

يلاحظ سميث أنه توظّف كل عوائد الحكومات بأكملها تقريبًا في الحفاظ على القوى العاملة “غير الإنتاجية”.

حول السياسيين:

“إن من قمة الوقاحة والجرأة… لدى الملوك والوزراء أن يتظاهروا بأنهم يعتنون باقتصاد الشعب… فهم أنفسهم، ودون استثناء، أكبر المسرفين في المجتمع… وإذا لم يؤد إسرافهم إلى تدمير الدولة، فإن إسراف رعاياهم لن يؤدي أبدًا إلى هذه النتيجة”.

“إن رجل النظام… غالبًا ما يكون على دراية شديدة بغروره و خيلائه، وكثيرًا ما يتيم بالروعة المزعومة لخطته الحكومية المثالية إلى درجة تجعله يرفض أبسط انحراف عن أي جزء منها… ويبدو أنه يتخيل نفسه قادرًا على تنظيم مختلف أفراد المجتمع الكبير بالسهولة نفسها التي تحرك بها اليد قطع الشطرنج، غير أنه لا يدرك أنه في رقعة الشطرنج الكبيرة للمجتمع البشري، تمتلك كل قطعة مبدأ للحركة يخصها ويختلف تمامًا عما يختار المشرع فرضه عليها”.

العدل:

“إن ثراء الغني يثير نقمة الفقير الذي دائما ما يحركه العوز ويدفعه الحسد للاعتداء على ممتلكات الغني، ولا يمكن إلا تحت حماية القضاء المدني أن يتمكن صاحب الأملاك الثمينة، التي حصل عليها بجهد أعوام طويلة أو بجهد الكثير من الأجيال المتعاقبة، من النوم ليلة واحدة بأمان”.

الضرائب:

يرى سميث أن فرض الضرائب أمر يجب أن تقوم به الحكومة على النحو الصحيح، فليس من الحكمة أن تفرض الضرائب على الشركات على سبيل المثال، لأن رأس المال الذي يعتمد عليه دخلها كما يلاحظ سميث ببصيرة مدهشة يتصف بأنه متحرك بنشاط:

“إن صاحب المخزون هو مواطن عالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وليس هناك ما يربطه بالضرورة بهذه الدولة أو تلك، وقد يميل إلى ترك بلده الذي يتعرض فيه إلى استجواب مزعج لتقدير ما يجب عليه دفعه من ضريبة مرهقة، وقد ينقل مخزونه إلى بلد آخر يتيح له الاستمرار في أعماله، أو التمتع بثروته أكثر كيفما يشاء”.

اليد الخفية:

لا يختار الغني مما هو مكدس أمامه إلا أثمن ما فيه وأكثره إرضاءً له، فهو لا يستهلك أكثر من الفقير إلا قليلًا، وعلى الرغم مما في طبعه من أنانية وجشع، وانحصار سعيه في تحقيق ما يريحه، وكون غايته الوحيدة التي يقصدها من عمل الآلاف التي تعمل لديه هي إشباع رغباته التافهة التي لا تنقطع، فإنه يتقاسم مع الفقير كل ما تتمخض عنه التحسينات التي يبدعها. إن أمثال هذا الغني يتحركون وفقًا لإرشادات يد خفية لتحقيق التوزيع نفسه تقريبًا لضروريات الحياة، والذي كان ليتحقق لو كانت الأرض مقسمة إلى حصص متساوية بين كل سكانها. وبهذا فإنهم يعززون مصلحة المجتمع دون نية لفعل ذلك أو دراية بأنهم يعززونها، ويوفرون الوسائل اللازمة لتكاثر بني البشر.

“عندما أشتري معطفا من الصوف، فإنني أفعل ذلك لمنفعتي الشخصية، ولا أكاد أحمل أي اهتمام بالحائك، والراعي، ومن يجز الصوف و يهيئه و يصبغه و يغزله، ويصنع الأدوات اللازمة للتعامل مع الصوف و يحمله، وغيرهم، وأولئك هم الذين لم ألتق بأيٍّ منهم على الأرجح، كما أن أيًّا منهم لم يسهم في صناعة المعطف لإرضائي، حيث كانت أذهانهم منشغلة على الأرجح بكسب المال لإطعام عائلاتهم. و مع ذلك، فإن شرائي للمعطف يحقق لهم المنفعة دون أدنى شك، لأن جزءًا صغيرًا مما دفعته يذهب إلى كل واحد منهم بصورة تلقائية. كذلك، فإن المجهود الذي يبذله كل فرد منهم في صناعة المعطف يمنحني كساءً أفضل وأرخص مما لو صنعته بنفسي”.

“عندما تطلب شرابا من صانع الخمر، أو قطعة لحم من الجزار، فإنك لا تشرح له مقدار حاجتك لهذه الأشياء، وإنما تشرح قدر المصلحة التي ستعود عليه إن سمح لك بامتلاكها مقابل سعر معين. إنك لا تخاطب إنسانته، وإنما حبه لذاته”.

نسب هايك فكرة الأنظمة الاجتماعية المتناغمة التي يمكن أن تنشأ دون حاجة إلى قيادة مركزية، إلى سميث ومن سبقوه.

استطاع هايك مع فهمه الحديث للتطور وعلم النفس معرفة كيف يمكن أن تزدهر الجماعات الاجتماعية، وأن تخلق –دون وعي أو قصد– نظامًا يعمل بمرونة بمجرد اتباع قواعد نظامية للسلوك الفردي.

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

اقرأ أيضا:

قراءة في كتاب: نظرية المشاعر الأخلاقية

تعليقات
جاري التحميل...