شغف المعرفة

لماذا لا يكفي أن تكون لطيفًا؟ يجب أن تكون ذكيًّا كذلك.

كشف أحد الأبحاث الحديثة كيف يؤدي الذكاء ـ بغض النظر عن السمات الشخصية ـ إلى النجاح. في سبيل ذلك، قام باحثون من جامعات بريستول، مينيسوتا وهايدلبرج  بابتكار سلسلةٍ من الألعاب لمعرفة العوامل التي تؤدي إلى السلوك التعاوني عندما يتفاعل الناس في العمل والاجتماعيات.

أظهرت نتائج أبحاثهم، والتي من المقرر أن تُنشر في مجلّة (Journal of Political Economy)، أنّ الأشخاص أصحاب الذكاء العالي قدّموا مستوياتٍ عاليةً من التعاون، الأمر الذي أدّى إلى تحصيلهم كميةً أكبر من المال كجزءٍ من اللعبة، بينما قدَّم فشل الأفراد أصحاب الذكاء الأقل في استخدام استراتيجية ثابتة وحساب الآثار المستقبلية لأفعالهم، قدّم دليلاً على أهمية الاختلافات في النتائج, بينما وُجِد أنّ الميّزات الشخصية – مثل القبول، الاجتهاد، الثقة والكرم – تؤثر أيضًا على السلوك، لكن بمقياس أقل، وفقط عند البداية.

استنتج الباحثون، بناءً على نتائج أبحاثهم، أنّ المجتمع يكون مترابطًا إذا كان الناس أذكياء بما فيه الكفاية حتى يُصبحوا متناسقين في استراتيجياتهم، وحتى يتنبأون بالآثار الاجتماعية لأفعالهم، بما في ذلك الآثار على الآخرين.

يقول البروفيسور يوجينيو بروتو – قسم الاقتصاد في جامعة بريستول:

“أردنا أن نسكتشف العوامل التي تجعلنا كائناتٍ اجتماعيةً مؤثرة. بمعنىً آخر: ما الذي يُمكّننا من التصرف بشكلٍ مثاليٍّ في المواقف التي يكون فيها التعاون مُهمًّا لنا ولجيراننا، أي الأشخاص في الدول المجاورة أو في العالم أجمع؟ قد يفترض الناس أنّ الأشخاص اللطفاء، مُجتهدون وكريمون و مُتعاونون بشكلٍ تلقائي. لكن خلال بحثنا، وجدنا دعمًا كبيرًا لفكرة أنّ الذكاء هو أحد الشروط الأساسية لمجتمعٍ متعاونٍ مترابطٍ اجتماعيًا.  طيبة القلب والسلوك يؤثران أيضًا، لكن تأثيرهم ضئيل وسريع الزوال.”

ويُتبع:

“إحدى الفوائد الإضافية للذكاء العالي في تجربتنا، وبشكلٍ مشابهٍ في الحياة، هي القدرة على معالجة المعلومات بشكلٍ أسرع، وبالتالي القدرة على مراكمة المزيد من الخبرة، والتعلم منها. يمكن تطبيق هذا السيناريو في مكان العمل، أي في مكانٍ يتمُّ فيه ترقية ومكافأة الأذكياء الذين يعملون بشكلٍ تعاونيٍّ ويقدّرون الأُمور حق تقديرها”.

لتلك النتائج تأثيراتٌ مُهمةٌ ومحتملةٌ على السياسات، خصوصًا قطاع التعليم، إضافةً إلى التجارة العالمية.

يقول أنديس سوفيانوس (Andis Sofianos) من قسم الاقتصاد في جامعة هايديلبرغ (Department of Economics at the University of Heidelberg):

“المبدأ الأساسي للعمل بشكلٍ تعاونيٍّ والقدرة على رؤية الموضوع بصورةٍ أوسع من الممكن تطبيقه على التجارة الدولية كذلك، حيث يوجد دليلٌ قويٌّ على أنّ التجارة الحرة ليست معادلةً صفرية، أي أنه من الممكن أن يكسب جميع الأطراف”.

ويضيف:

“في التعليم، تقترح نتائجنا أنّ التركيز على الذكاء في مرحلة الطفولة من الممكن أن يُحسّن من النجاح الاقتصادي في حياة الفرد, وليس ذلك فحسب, بل يرفع مستوى التعاون في المجتمع”.

تضمّنت الدراسة أربع ألعاب مختلفةٍ تُمثّل أوضاعًا استراتيجيةً محددة. تمت إعادة التفاعلات، وإعطاء الوقت والفرص لكل مُشاركٍ ليشاهد ويتفاعل مع أداء الآخرين.

من الألعاب المستخدمة في التجربة: معضلة السجين Prisoner’s Dilemma, صيد الظباء Stag Hunt  ومعركة الأجناس Battle of Sexes، والتي عادةً ما تُستخدم في دراسة عِلم التفكير المنطقي في اتخاذ القرار عند البشر، الحيوانات، والحاسوب، والمعروفة باسم “نظرية الألعاب”.

ولأن استراتيجية اللعبة تضمّنت المفاضلة بين مكاسب المرحلة الحالية والحصول على مكاسب للمرحلة المستقبلية، ربح أصحاب الذكاء الأعلى (أعلى IQ) كميةً أكبر من الأموال لكل جولة. بينما سبَّب الفشلُ عند أصحاب مستوى الذكاء الأقل في إيجاد واستخدام الاستراتيجية الأفضل وتقدير عواقب افعالهم في المستقبل، سبّب وجود تفاوتٍ في الدخل.

ربما كانت المفاجأة في أداء الأشخاص المجتهدين الذين كانوا أكثر حذرًا، مما أضعف سلوكهم التعاوني.

المصدر

  • ترجمة: محمد يامين
  • تدقيق لغوي: مروى بوسطه جي
تعليقات
جاري التحميل...