in , ,

قراءة في كتاب: نظرية المشاعر الأخلاقية

الجزء الثاني من سلسلة آدم سميث

المشاركة الوجدانية الطبيعية كأساس للفضيلة:

كان سميث يعتقد أن مبادئنا الأخلاقية ليست محددة بدقة إلى هذا الحد، وإنما هي أمر طبيعي متأصل فينا باعتبارنا كائنات اجتماعية، فكلّ منا يشعر بالتعاطف (أو بالمشاركة الوجدانية) مع الآخرين على الفور دون زيف، بل تلقائيًا وبحب الخير.

فننظر إلى أنفسنا في مخيلتنا وكأننا في مكان الآخرين، فإذا رأينا بأن أحدهم على وشك الاصطدام فإننا نجفل هلعين. إننا نحاول كبح جماح مشاعرنا لجعلها متوازنة مع مشاعر الآخرين.

بالنسبة لسميث فإن أفعالنا تلعب دورًا في إنتاج نظام اجتماعي ناجح، حتى وإن كانت هذه النتيجة لا تتطابق مع الهدف الذي دفعنا إلى القيام بتلك الأفعال. فعلى سبيل المثال، يلاحظ سميث أن تروس الساعة تعمل معا لإظهار الوقت، لكنها لا تعلم بذلك، وإنما تسير وفق نية من صنعها، وعلى نحوٍ مماثل: عندما تعمل أفعالنا الغريزية على تعزيز المجتمع، فإننا قد نعزو ذلك بغرور إلى أحكامنا العقلية، لكننا في الحقيقة يجب أن نعزوها إلى الطبيعة أو إلى الله.

(في مناقشه لهذه الظاهرة المعلقة بالنظام الاجتماعي الذي يعمل بكفاءة، والذي ينتج عن الفعل البشري لا التصميم البشري، لجأ سميث إلى استخدام كلمات مثل الله و الطبيعة والمبدع بالتبادل تقريبًا، لكن شرحه للكيفية التي نحدث بها، من خلال أفعالنا، تناغمًا اجتماعيًا غير مقصود، إنما هو شرح في نطاق المنظومات، لا في نطاق لاهوتي. فهو لا يفترض أو يشترط تدخل ذات إلهية، إذ إن الطبيعة –أو ما ندعوه اليوم بالتطور– يمكنها أن تؤدي إلى النتيجة ذاتها ببراعة).

إقرأ أيضا: أب الرأسمالية: آدم سميث حياته وأفكاره

العدل كأساس:

“إذا لم يقدم الناس يد العون للآخرين عند المقدرة أو عندما يعجزون عن رد الجميل، فحينها ندعوهم بقساة القلوب أو ناكري الجميل، لكننا لا نعاقب الناس لإجبارهم على فعل الخيرات، وإنما تقتصر العقوبة على أفعال تتسبب في ضرر حقيقي أو تهدف إليه. إننا نجبر الناس فقط على الامتثال لقواعد العدل، لأنه لا يمكن الاستمرار في المجتمع دونها”.

إن المقصود بالعدل عند آدم سميث هو دفع الضرر، وليس الوصول بالخير إلى أقصى درجاته.

النقد الذاتي والضمير:

يُعتبر النقد الذاتي مراقبًا محايدًا لن ولأفعالنا، فتنقسم أنفسنا بين الفاعل و القاضي، إذا حدث زلزال يدمر الصين بأكملها، فسيشعر أي شخص يعيش في أوروبا ببعض الضيق، لكنه لن يكون شيئا يذكر بالمقارنة مع مصيبة يُبتلى بها أشخاص يعرفهم، ويشرح هذا بقوله:

“إذا كان المرء يعلم أنه سوف يفقد إصبعًا من أصابعه غدًا، فلن يستطيع النوم هذه الليلة، لكنه سينام هانئًا وبأمان تام على الرغم من الدمار الذي لحق بمئات الملايين من أقرانه ما دام لم يصادف أحدا منهم، وسيبدو هذا الدمار الهائل أمر أقل أهمية بالنسبة له من محنة فقد الأصبع التافهة”.

القواعد الأخلاقية:

“من خلال اتباع الضمير ينتهي بنا الحال –حتمًا ودون قصد– إلى تعزيز السعادة البشرية. وربما تهدف قوانين البشر –بما فيها من ثواب وعقاب– إلى تحقيق النتائج ذاتها. لكنها لا يمكن أن تكون أبدًا منسجمة، أو سريعة، أو فعالة كالضمير وقواعد الأخلاق التي وضعتها الطبيعة”.

يعترف سميث بأن القواعد الأخلاقية تختلف باختلاف الزمان و المكان، إلا إنه يؤكد أن هذه الاختلافات بين الأساليب المتبعة أو العادات تُعتبر اختلافات هامشية حتمًا. وإذا لم يستمر احترام المبادئ الأساسية للطبيعة، فإن المجتمع لن يتمكن من الاستمرار في البقاء.

إن الحرية والطبيعة يمثلان دليلًا أكثر ثقة لخلق مجتمع متناغم يعمل بكفاءة، و ذلك بالمقارنة مع المنطق المتعجرف لأصحاب الرؤى الحماسية والخيالية.

نظرة سميث الأخلاقية:

“حسد الغني يلهم المرء ببذل جهود عظيمة يتصادف أنها تحقق في الآن عينه التقدم في الصناعة، والعلم، وحتى الفنون. ولأن المرء يحب تقدير الناس له فإن الغرور يدفعه إلى عمل الغير، وما إن يصيبنا استياء الآخرين وغضبهم منا بالتعاسة، فإننا نتجنب إلحاق الضرر بهم”.

ولهذا من الغريب أن تتصف منظومة سميث الأخلاقية بكونها تتمركز حول الذات، شأنها في ذلك شأن منظومته الاقتصادية، فنحن ننفع الآخرين كناتج ثانوي لطموحنا، ونمتنع عن التسبب بإلحاق الضرر لهم تفاديًا لما ينتج عن ازدرائهم لنا من الشعور بالتعاسة.

تمثل غريزتنا في جميع الأحوال مرشدًا، يمكننا أن نكون أكثر ثقةً به من منطقنا وفهمنا المحدود.

كان سميث فيلسوفًا في الأخلاق، ولم يكن الاقتصاد قد حظي في القرن الثامن عشر بمكانته كعلم منفصل كما أصبح عليه الحال في نهاية القرن التاسع عشر. ولا شك في أنه يوجد الكثير من الكتاب السابقين لسميث والمعاصرين له ممن ألفوا كتيبات حول موضوعات اقتصادية، و قدم بعض هؤلاء المؤلفين إسهامات في علم الاقتصاد، لكن لا يوجد فيهم من قدم بحثًا جامعًا شاملًا يصل إلى درجة ونوع البحث الذي جاء به آدم سميث.

كان علم الاقتصاد السياسي يركز قبل سميث على إثراء الملك والدولة بسبائك الذهب والفضة من أجل تمويل الحروب الخارجية، وعندما نُشر كتاب ثروة الأمم، أُعيد توجيه أنظار الاقتصاد السياسي إلى إثراء المستهلك من الناتج السنوي للأرض والعمل. لم يكن هذا الكتاب كتابًا دراسيًا بل يناقش موضوعًا محددًا، وهو طبيعة الثروة وما يدفعها إلى النمو.

إقرأ أيضا: الأصل المشترك بين نظرية التطور والاقتصاد

  • إعداد: محمد مطيع
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض

ما رأيك في هذا المحتوى؟

Avatar

كتب بواسطة محمد مطيع

طالب جامعي متخصص في الاقتصاد، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Loading…

0

Comments

0 comments

أب الرأسمالية: آدم سميث حياته وأفكاره

لماذا لا يكفي أن تكون لطيفًا؟ يجب أن تكون ذكيًّا كذلك.