in ,

الأزمة البترولية ونظام النفط العالمي

منذ سنة 2014، يتعافى العالم من أزمة بترولية حادة. إذ انهارت أسعار النفط بدرجة كبيرة وما زالت الدول النفطية إلى يومنا هذا تحاول إرجاع أسعار النفط إلى مستواها الطبيعي، ولكن الأسعار ترتفع بشكل بطيء جدا.

في المقال التالي سأحاول التطرق إلى العديد من النقاط المتعلقة بالنفط، وهي تشمل:

– أكبر منظمة نفط في العالم أوبيك OPEC وعلاقتها بهذه الأزمة.

– أسباب انهيار أسعار برميل النفط في العالم.

– العوامل التي تحدد سعر النفط، كلفة إنتاج البرميل واحتياطي العالم من النفط.

– الصراعات السياسية المتعلقة بأزمة النفط ودور الدول النفطية في الصراع.

– كيفية تأثر الشركات العالمية للنفط بالأزمة.

تاريخيا، كان سعر البرميل من النفط في أوج انتعاش القطاع، أي أكبر سعر تم تسجيله، 150 دولارًا للبرميل و أقل سعر كان 16 دولارًا.

منظمة أوبيك OPEC

منظمة أوبيك هي منظمة عالمية تضم 12 دولة منتجة ومصدرة للنفط. تأسست في بغداد سنة 1960، من طرف السعودية، إيران، العراق، الكويت وفنزويلا، ومقرها في فيينا.

الدول الأعضاء في المنظمة هم :

السعودية، الكويت، العراق، إيران، فنزويلا، نيجيريا، الجزائر، أنغولا، الإكوادور، ليبيا، قطر والإمارات.

تمتلك هذه المنظمة 40% من الناتج العالمي و70% من الاحتياطي العالمي للنفط.

وبما أن المملكة العربية السعودية أكبر مصدر للنفط وأكثر المصدرين ربحًا في العالم، مع قدرة كافية على العمل كمنتج تقليدي بديل لتحقيق التوازن بين السوق العالمية، فهي بمثابة “زعيم” أوبك الفعلي، ولها الكلمة العليا داخل المنظمة وسياساتها. تنتج السعودية قرابة 10 ملايين برميل نفط في اليوم، ما يمثل ثلث مجموع إنتاج النفط في منظمة أوبيك.

تعتبر الصين أكبر مستورد للنفط السعودي في العالم، وهي تستورد في اليوم 7.55 ملايين برميل من المكسيك، كندا، فنزويلا، والسعودية.

و تتبع الصين سياسة احتياطي استراتيجي من النفط يكفيها لـ90 يومًا في حالة وقوع حرب أو أزمة قد تمنع وصول النفط إليها.

دول الخليج تستهلك داخليا كمية كبيرة أيضا من النفط: 6 مليون برميل في اليوم، و يتم حسمه من الإنتاج اليومي. لكن إذا استمر الحال على ما هو عليه فلن يكفي الإنتاج السعودي للنفط في سنة 2025 للاستهلاك الداخلي وستصبح السعودية مجبرة على إنقاص التصدير الخارجي مما سيضر باقتصادها.

أما بالنسبة لروسيا فقد قام بوتين بوضع صندوق احتياط خاص سابقا تحسباً لانخفاض سعر النفط. يحتوي الصندوق على أكثر من 600 مليار دولار للدعم، لكي لا يحدث لروسيا مثل ما حدث مع الاتحاد السوفياتي سابقا ومع فنزويلا.

من يملك أكبر احتياطي للنفط في العالم؟

 فنزويلا تملك أكبر احتياطي في العالم للنفط بحوالي 295 مليار برميل، ولكن الجزء الأعظم منه هو نفط بالغ الثقل يحتاج لعملية خاص لمعالجته وتصعب تصفيته، أما بالنسبة لدول الخليج فهي تمتلك نفطًا متوسطًا أو خفيفًا تسهل تصفيته، بيعه ونقله.

أمريكا تملك حوالي 35 مليار برميل (من النفط التقليدي والصخري)، ليس له مستقبل كبير ويصعب استخراجه مما يؤدي لرفع تكلفة ذلك ويؤدي لاستهلاك كمية كبيرة من المياه: بئر واحدة من النفط الصخري الأمريكي تستهلك 15 مليون لتر من الماء في اليوم.

كلفة إنتاج برميل واحد من النفط عند بعض الدول:

السعودية: 5 دولارات

أمريكا: 70 دولارًا إلى 85 دولارًا

روسيا: 90 دولارًا

أهم العوامل التي تحدد سعر النفط:

1- الطلب العالمي.

2 – التكنولوجيا، حيث أن التقدم التكنولوجي يساهم في رفع الإنتاج بشكل مهم.

أسباب تراجع سعر النفط و سبب الأزمة:

أولا : قانون العرض و الطلب.

يرتبط الطلب على الطاقة ارتباطا وثيقا بالنشاط الاقتصادي. كما أنه يرتفع في فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي، وخلال فصل الصيف في البلدان التي تستخدم تكييف الهواء.

ما بين سنة 2000 وسنة 2008 كانت أسعار النفط قد وصلت لارتفاع مهم: من 25 دولارًا للبرميل إلى 150 دولارًا. هذا الارتفاع ساهم فيه الطلب المرتفع للدول في طور التقدم مثل الصين والهند التي تستهلك كمية كبيرة من النفط، وفي نفس الوقت قطع الإنتاج من قبل منظمة أوبيك الشيء الذي أدى للوصول إلى رقم قياسي لسعر البرميل من النفط.

بعد أزمة 2008 انخفض سعر البرميل ولكن تمت معالجة الأمر بسرعة.

لكن ما حدث منذ سنة 2014 وأدخل العالم في أزمة حادة للنفط كان سببه أن الدول التي كانت السبب في ارتفاع أسعار النفط من قبل عبر ارتفاع طلبها عليه، أصبحت تعاني من مشاكل اقتصادية سنة 2014، الشيء الذي أدّى بها لخفض الطلب على النفط. ومن أبرز هذه الدول الصين، الهند، البرازيل وروسيا.

فزادت دول مثل كندا وأمريكا من جهودها لإنتاج النفط لتدارك التأثير السلبي للارتفاع الكبير لأسعار النفط على اقتصاداتها.

في الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت الشركات الخاصة باستخراج النفط من التشكيلات الصخرية في ولاية نورث داكوتا، وذلك باستخدام عملية تعرف باسم التكسير. وفي الوقت نفسه، بدأت كندا في عملية الاستخراج من الرمال النفطية لألبرتا، ثالث أكبر احتياطي للنفط الخام في العالم.

وقد مكنت التحسينات التكنولوجية في مجال الحفر من الوصول إلى احتياطيات يصعب الوصول إليها سابقا في أجزاء كثيرة من الولايات المتحدة و مناطق أخرى.

فبين سنة 2011 و2013 ارتفع إنتاج أمريكا للنفط من مليوني برميل إلى 3 ملايين برميل.

ونتيجة لهذا، قامت بلدان أمريكا الشمالية بخفض وارداتها النفطية (أي طلبها على النفط) بشكل حاد، مما أدى إلى مزيد من الانهيار لأسعار النفط العالمية. وساهم اكتشاف النفط في بعض المناطق وارتفاع الإنتاج في بعض الدول مثل العراق، ليبيا وإيران بتفاقم مشكل زيادة الإنتاج وتدهور الأسعار.

و هذا قانون اقتصادي طبيعي فعندما يرتفع الطلب مقارنة بالعرض ترتفع الأسعار، وعندما ينخفض الطلب مقارنة بالعرض تنخفض الأسعار.

ثانيا: دور منظمة أوبيك OPEC.

دور أوبيك الطبيعي و المنطق الذي تعمله به هو كالآتي:

عندما تنخفض الأسعار، فعادة ما تتفق الدول الأعضاء معا على خفض العرض في انسجام تام. لكنهم هذه المرة رفضوا القيام بذلك.

و كانت السعودية هي السبب الفعلي لرفض خفض العرض من إنتاج النفط، حيث رفضت خفض إنتاجها من النفط رغم أنه من خلال خفض الإنتاج ستنتعش أسعار النفط من جديد، وذلك لأنه بالنسبة للسعودية، كلفة إنتاج برميل نفط واحد تعتبر منخفضة بشكل كبير. وبالنسبة لها، حتى ولو وصل سعر البرميل إلى 10 دولارات فلن تخسر شيئا. وعلى النقيض من ذلك، طرق الاستخراج المكلفة مثل التكسير لن تكون مربحة إذا ما انخفضت أسعار النفط إلى حد كبير.

وتأمل السعودية من خلال دعمها لأسعار النفط المنخفضة في أن تضطر بلدان مثل الولايات المتحدة وكندا إلى التخلي عن أساليب الإنتاج الأكثر تكلفة بسبب الخسارة المكلفة التي ستعاني منها.

حاولت منظمة أوبيك خلق منافسة قوية من خلال إيقاف المنتجين الآخرين من التوسع في إنتاج النفط، وكما قال وزير الطاقة ألإماراتي سهيل المزروعي في 14 ديسمبر:

“لا ينبغي أن تتوقع خفض الإنتاج في حين يواصل المنتجون الآخرون التوسع في هذا المجال. وستمتنع المجموعة عن خفض الإنتاج حتى لو انخفضت أسعار النفط إلى 40 دولارا للبرميل، سوف تنتظر ثلاثة أشهر على الأقل قبل النظر في اجتماع طارئ”.

قرر السعوديون وحلفاؤهم الخليجيون عدم التضحية بحصتهم في السوق لاستعادة سعر النفط لقيمته، فليس بالصعب على السعودية أن تقوم بخفض الإنتاج لكن الفوائد الرئيسية ستذهب إلى البلدان التي تعاديها مثل إيران وروسيا.

كانت النتائج كارثية على عدة دول منتجة للنفط، منها روسيا التي تدهور اقتصادها وعملتها بشكل كبير بسبب الانخفاض المهول لأسعار النفط، فنزويلا تدهورت بالكامل ويمكن للقارئ البحث في الموضوع، الجزائر تعاني أيضا من أزمة اقتصادية حادة بسبب أن اقتصادها متمركز أيضا على النفط، أما إيران فوقعت بسبب أزمة النفط في مشاكل اقتصادية كبيرة أثرت على نظام الحكم و الملف النووي.

ثالثا: الطاقات البديلة.

بدأت العديد من الدول في التحول المتزايد لإنتاج الطاقة بوسائل أخرى بعيدًا عن النفط.

قبل 14 سنة أعطت منظمة أوبيك لإيران حصة استخراج و إنتاج 4 ملايين برميل نفط في اليوم، حتى قبل العقوبات الاقتصادية لم تتمكن إيران إلا من إنتاج 3.5 مليون برميل نفط والمشكلة أن مليونين منها يتم استهلاكها داخليا و هي لا تتمكن من تصدير سوى مليون واحد أو 1.5 مليون. و ما أدى لازدياد تفاقم المشكلة، هو أنها بعد رفع العقوبات الاقتصادية عليها قامت بزيادة الإنتاج بـ1.5 مليون برميل، وأية زيادة في الإنتاج تساهم في تدهور الأسعار كما رأينا من قبل.

الآن سأتحدث عن المشاكل الجيوسياسية في الشرق الأوسط والخليج المتعلقة بالنفط، بالنسبة لإيران، إذا قامت أمريكا و أوروبا بفرض حظر على صادرات النفط الإيراني فإنها ستعتبر ذلك إعلان حرب واضحًا ضدها وستقوم باتخاذ قرار بإغلاق مضيق هرمز في وجه صادرات دول الخليج، الشيء الذي سيؤدي لخلق أزمة نفطية أكبر، والسبب في هذا هو أن دول الخليج لا تمتلك أنابيبَ كافية لنقل النفط (السعودية تمتلك أنبوبًا واحدًا يمر من العراق و الإمارات قامت ببناء أنبوب جديد).

ومثل هذا القرار سيؤدي لإيقاف مرور 10 ملايين برميل يوميا، الشيء الذي سيؤدي لارتفاع سعر النفط بشكل مباشر.

العالم يعرف صراعًا كبيرًا ودائمًا على مناطق الملاحة البحرية منذ القدم. فمثلا، في الصراع اليمني اليوم، لو لم تكن اليمن تقع في منطقة من أهم مناطق الملاحة البحرية لما اهتم بها أحد، فالسعودية تخشى من امتلاك إيران السلطة في اليمن من خلال حكومة تابعة لسياستها التي ستمكنها من السيطرة بشكل تام على مضيق باب المندب الذي سيكون معبر ملاحة بحريًا مهمًا تتحكم فيه إيران بعد مضيق هرمز والذي يعتبر أيضا من أهم المعابر التي تمر من خلالها التجارة السعودية.

يوجد كذلك صراع صيني أمريكي على بحر الصين الجنوبي الذي تحاول الصين أن تحتله وخلق أزمة لها مع أمريكا، ووصل بها الأمر لإشهار الأسلحة في وجوه بعضهم البعض وإلى تصريحات حادة من قبل وزير الخارجية الأمريكي حول الصين.

سأتطرق الآن إلى تأثر الشركات العالمية للنفط بالأزمة، توجد 7 شركات كبرى للنفط تملك أكثر من 30% من سوق النفط العالمي والـ70% الأخرى تنقسم على الدول والشركات العامة.

لم تتمكن الشركات الخاصة من التكيف مع الأزمة النفطية الأخيرة بسبب أنها تحتاج إلى 120 أو130 دولارًا للبرميل الواحد من النفط لموازنة ميزانياتها.

و لكن بعد هذه الأزمة التي وصل خلالها سعر البرميل إلى 30 دولارًا تقريبا، لم تتمكن هذه الشركات من الاستمرار وبدأت تبيع العديد من منشآتها، حتى أنهم قاموا بخفض برامجهم الاستثمارية للأمد الطويل في النفط للنصف خوفا من انهيار تجارتهم.

يعني ذلك أن الحصة العالمية للنفط الآن ستتغير وستصبح للشركات الخاصة نسبة أقل من 30% وستصبح للدول والشركات العامة نسبة أكثر من 70%.

بدأت بعض دول أوبيك OPEC وخارجها منذ مدة بالمطالبة بأن يتم خفض الإنتاج من أجل الخروج من الأزمة التي تسبب فيها انهيار الأسعار داخل دولهم، ومنها فنزويلا، الجزائر، نيجيريا، إيران وروسيا.

المخرج الوحيد الآن من هذه الأزمة هو أن تقوم OPEC بخفض إنتاجها بمليوني برميل وأن تناسق مع روسيا والمكسيك التي ستخفضان نصف مليون برميل من إنتاجهما وبذلك ستبدأ الأسعار بالعودة لطبيعتها.

إعداد: محمد مطيع – تدقيق لغوي: شهاب البرقاوي

المصادر:

http://bit.ly/2oskxNK

http://bit.ly/2o41KwY

http://bit.ly/2GxWtTl

http://econ.st/2ELE1dm

http://bit.ly/1vgeEQX

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

معضلة الملك

عوامل ومظاهر التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لإسرائيل (الجزء الأول)