in

نوعان من الفردانية – بقلم فريدريك هايك

هذا المقال مقتبس من كتاب الفردانية والنظام الاقتصادي Individualism and Economic Order فريدريك هايك Friedrich A. Hayek. في هذا الكتاب يقارن هايك بين نوعين من الفردانية: أحدهما يؤدي إلى الحرية والنظام العفوي spontaneous order، والآخر يؤدي إلى الجماعية والاقتصادات الخاضعة للسيطرة.

قبل أن أشرح ما أعنيه بالفردانية الحقيقية، قد يكون من المفيد إعطاء بعض الإشارات إلى التقليد الفكري الذي تنتمي إليه. بدأت الفردانية الحقيقية التي سأحاول الدفاع عنها تطورها الحديث مع جون لوك John Locke، وعلى نحوٍ بارزٍ مع برنارد ماندفيل Bernard Mandeville وديفيد هيوم David Hume، وحققت مكانةً كاملةً للمرة الأولى في أعمال كلٍّ من جوسيا تاكر Josiah Tucker، وآدم فيرجسون Adam Ferguson، وآدم سميث Adam Smith، وذلك بالتزامن مع معاصرهم العظيم إدموند بيرك Edmund Burke، وهو الرجل الذي وصفه سميث بأنه الشخص الوحيد على الإطلاق الذي عرفه وفكّر في الموضوعات الاقتصادية تمامًا كما فعل دون وجود أيّ اتصالٍ سابقٍ بينهما.

كما أجد أنها قد تمثّلت بشكلٍ مثاليٍّ في القرن التاسع عشر من خلال أعمال اثنين من أعظم المؤرخين والفلاسفة السياسيين، وهما: ألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville، ولورد أكتون Lord Acton؛ يبدو أن هذين الرجلين قد نجحا -أكثر من أي كاتب آخر أعرفه- في تطوير أفضل مما تتضمنه الفلسفة السياسية لكلٍّ من الفلاسفة الاسكتلنديين، وبيرك Burke، واليمينيين من حزب الأحرار البريطاني (ويغز) English Whigs؛ في الوقت الذي أصبح فيه اقتصاديو القرن التاسع عشر الكلاسيكيون، أو على الأقل البنثاميون Benthamites أو ذوو الفكر الراديكالي الفلسفي بينهم، على نحو متزايد تحت تأثير نوعٍ آخر من الفردانية ذات أصلٍ مختلفٍ.

يمثل الكتاب الفرنسيون وغيرهم من الكتاب القاريين (الأوروبيين) هذا النوع الثاني المختلف كليًا من الفكر الفرداني، وأعتقد أن هذه الحقيقة ترجع إلى الدور المهيمن الذي تلعبه العقلانية الديكارتية Cartesian في تشكيلها. الممثلين البارزين لهذا التقليد هم (الموسوعيين) Encyclopedists، وروسو Rousseau، الفيزيوقراطيون physiocrats. ولأسباب سنأخذها بعين الاعتبار، تميل هذه الفردانية العقلانية دائمًا إلى التطور نحو نقيض الفردية، أي الاشتراكية أو الجماعية؛ لأن النوع الأول فقط من الفردانية هو الوحيد الذي يمكن أن يُدعى باسم الفردانية الحقيقية، في حين أن النوع الثاني ربما يجب اعتباره مصدرًا للاشتراكية الحديثة بنفس أهمية النظريات الجماعية الصحيحة.

لا يمكنني إعطاء توضيحٍ أفضل للالتباس المنتشر حول معنى الفردانية من حقيقة أن الرجل الذي يبدو لي أحد أعظم ممثلي الفردانية الحقيقية، وهو إدموند بيرك Edmund Burke، يُعتبَر بشكلٍ عام (وعن حق) الخصم الرئيسي لما يُسمى بـ “الفردانية” وفقًا لِروسو، الذي كان يخشى أن تؤدي نظرياتها إلى تفكيك الكومنولث commonwealth بسرعة وتحويله إلى “غبار ومسحوق الفردانية”، وأن مصطلح “الفردانية” نفسه دخل لأول مرة في اللغة الإنجليزية من خلال ترجمة أحد أعمال واحدٍ من أعظم الممثلين للفردانية الحقيقية، وهو دو توكفيل، الذي استخدمها في كتابه “الديمقراطية في أمريكا Democracy in America” لوصف موقف يشجبه ويرفضه. ورغم ذلك، ليس هناك شك في أن كلًا من بيرك ودي توكفيل يتفقان تقريبًا في جميع الأساسيات مع آدم سميث، الذي لا ينكر أحد أنه فرداني، وأن “الفردانية” التي يعارضانها هي أمرٌ مختلفٌ تمامًا عن تلك التي لدى سميث.

الخطوة التالية في التحليل الفرداني للمجتمع موجهة ضد الفردانية الزائفة العقلانية التي تؤدي أيضًا إلى الجماعية العملية، وهي الحجة التي تقول بأنه من خلال تتبع الآثار المشتركة للأفعال الفردية، فإننا نكتشف أن العديد من المؤسسات التي تستند إليها الإنجازات البشرية قد نشأت وتعمل دون تصميم عقلي وتوجيه مركزي، أي كما عبّر عنه آدم فيرغسون Adam Ferguson: “تتعثر الأمم في المؤسسات التي هي في الحقيقة نتيجةُ عملٍ بشري، ولكنها ليست نتيجةَ تصميمٍ بشري”، وغالبًا ما يخلق التعاون العفوي للأشخاص الأحرار أشياءَ أعظم ممّا يمكن لعقولهم الفردية أن تفهمها تمامًا، هذا هو الفكر الرائع لجوسيا تاكر وآدم سميث وآدم فيرجسون و إدموند بيرك.

الفرق بين هذا الرأي الذي يفسر معظم النظام الذي نجده في الشؤون الإنسانية باعتبارها نتيجةً غير متوقعةٍ لأفعالٍ فردية، والرأي الذي يتتبع كل نظام قابل للاكتشاف نتيجة التصميم المتعمَّد هو أول تناقض كبير بين الفردانية الحقيقية لمفكري القرن الثامن العشر البريطانيين وما يُسمّى بـ”الفردانية” في المدرسة الديكارتية، ولكنه مجرد جانبٍ واحدٍ من اختلافٍ أكبر بين رأيٍّ يُخفِّض بشكلٍ عام الدور الذي يلعبه العقل في الأمور الإنسانية، ويدّعي أن الإنسان قد حقق ما لديه على الرغم من حقيقة أن العقل يوجّهه جزئيًا فقط، وأن عقله الفردي محدودٌ للغاية ومَعيب، ورأي يفترض أن العقل متاحٌ دائمًا بشكلٍ كاملٍ ومتساوٍ لجميع البشر، وأن كل ما يحققه الإنسان هو نتيجةٌ مباشرةٌ للسيطرة على العقل الفردي، وبالتالي فهو يخضع لها.

ربما تكون السمة الأكثر تميزًا للفردانية الإنجليزية هي النهج المناهض للعقلانية، الذي لا يعتبر الإنسان كائنًا عقلانيًا وذكيًا للغاية بل كائنًا غير عقلانيٍّ وقابلًا للخطأ، وتُصحَّح أخطاؤه الفردية فقط في سياق عملية اجتماعية، ويهدف إلى تحقيق أفضل ما يمكن من موادّ غير كاملةٍ تمامًا.

لذا اسمحوا لي أن أعود في الخاتمة إلى ما قلته في البداية: السلوك الأساسي للفردانية الحقيقية هو سلوك التواضع تجاه العمليات التي حققت البشرية من خلالها أمورًا لم يصممها أو يفهمها أي فرد، وهي أعظم من العقول الفردية بالفعل؛ السؤال الكبير في هذه اللحظة هو هل سيُسمَح لعقل الإنسان بالاستمرار في النمو كجزءٍ من هذه العملية؟ أو هل سيضع العقل البشري نفسه في قيودٍ من صنعه؟ ما تُعلّمُنا إياه الفردانية هو أن المجتمع أكبر من الفرد فقط بقدر ما هو حر، فبقدر ما يُتحكَّم فيه أو يُوجَّه، يكون مقتصرًا على قوى العقول الفردية التي تتحكم فيه أو توجهه. إذا كان افتراض العقل الحديث -الذي لا يحترم أيّ شيءٍ لا يتحكم فيه العقل الفردي بوعي- لا يتعلم في الوقت المناسب أين نتوقف، فقد نؤكد، كما حذّرَنا إدموند بيرك: “سوف يتضاءل كل شيءٍ عنا تدريجيًا حتى تتقلص اهتماماتنا إلى أبعاد عقولنا”.


  • ترجمة: رأفت فياض.
  • مراجعة: محمد مطيع.

المصدر

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

رأفت فياض

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كيف يمكن لاتخاذ الاشتراكية كمعتقد أن يجعلك بائسا

تمثال الحرية

من هي المرأة التي ألهمت تمثال الحرية؟