كهرباء فعالة في لبنان
in ,

توسيع نطاق الوصول إلى كهرباء فعالة في لبنان: القطاع الخاص مقابل الاحتكار الحكومي

“تخيل أنك تعيش في بلد حيث من الممكن أن تنقطع عنك المياه الجارية، أو أن تعلق في مصعد مكتبك لساعات، أو أن يتوقف نظام حفظ الحياة الخاص بك عن العمل لأنك لا تستطيع الوصول إلى مصدر طاقة مناسب، والآن تخيل أن المشكلة قائمة لأن الحكومة التي يُطلب منك تمويلها هي المُورد الاحتكاري للطاقة.”

توسيع نطاق الوصول إلى كهرباء فعالة 
المعهد اللبناني لدراسات السوق – لبنان

مقدمة

عانى لبنان منذ السبعينات من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. ويذكر أن الحكومة هي المُورد الاحتكاري للطاقة، الأمر الذي أدى إلى خنق الابتكار في مجال توفير خدمة أفضل للمستهلكين. ولكن بفضل المعهد اللبناني لدراسات السوق Lebanese Institute for Market Studies، أصبح سوق الطاقة الآن مفتوح للمنافسة، وصار بإمكان الشعب اللبناني أن يتطلع إلى تقليل التبذير الحكومي من حيث الإنفاق المفرط للتمكن من التوفر على عرض طاقي متنوع.

تم تأسيس المعهد اللبناني لدراسات السوق، أو LIMS في عام 2015، خلال فترة من أحلك فترات البلاد منذ حصولها على الاستقلال. فجميع الحريات التي ناضل المؤسسون للبنان من أجلها بدأت في التآكل مع نمو حجم الحكومة بشكل مهول. وبحلول عام 2015، وصل الدين العام في لبنان إلى نسبة 148% من الناتج المحلي الإجمالي، فقام فريق من اللبنانيين الملهمين بإنشاء منظمة تعمل على استعادة الحرية الاقتصادية في البلد.

يعمل فريق LIMS على تمكين الشعب اللبناني والكفاح من أجل حريته عن طريق استخدام الأبحاث، والتعليم، والمناقشات المثيرة للاهتمام مع المسئولين الحكوميين، ووسائل الإعلام، والشعب. 

“تخيل أنك تعيش في بلد حيث من الممكن أن تنقطع عنك المياه الجارية، أو أن تعلق في مصعد مكتبك لساعات، أو أن يتوقف نظام حفظ الحياة الخاص بك عن العمل لأنك لا تستطيع الوصول إلى مصدر طاقة مناسب، والآن تخيل أن المشكلة قائمة لأن الحكومة التي يُطلب منك تمويلها هي المُورد الاحتكاري للطاقة.”

إنه شيء مثير للجنون ولا يمكن للناس في البلدان المتقدمة فهمه، لكن مواطني لبنان يدركون أن ذلك هو واقعهم اليومي، حيث يعاني الشخص العادي ​​من 12 ساعة في المتوسط من انقطاع التيار الكهربائي في اليوم.

لقد أثبتت الحكومة أنها غير قادرة على توفير الكهرباء بشكل لائق ودائم للشعب اللبناني، لكن السوق الحرة، والشركات الخاصة، والقوة الإبداعية إذا ما أطلق لها العنان، هي قادرة على تحقيق ذلك. لحسن حظ الشعب اللبناني، أن LIMS قد تدخلت لملء هذا الفراغ بأفكار جديدة من خلال أبحاث أصلية ومجموعة حلول متطورة من شأنها أن تفتح سوق الكهرباء في البلاد للشركات الخاصة، مما سوف يؤدي إلى خدمة طاقية أفضل للمستهلكين. 

نبذة عن المشروع

أنارت الكهرباء لبنان سنة 1906 عندما سمحت الإمبراطورية العثمانية للمستثمرين البلجيكيين من القطاع الخاص بافتتاح أول شركة كهرباء في بيروت. بعد ذلك، حولت إلى شركة فرنسية في عام 1923 لترسوا أخيراً بين يدي الحكومة عام 1954. ومنذ ذلك التاريخ، ظلت الحكومة هي الجهة الاحتكارية التي تقوم بتوفير الكهرباء في لبنان.

بدأت أولى حالات انقطاع التيار الكهربائي خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990). وبعد انتهاء الحرب وعودة السلام إلى لبنان، لم تعد الكهرباء إلى حالتها الطبيعية.

منذ أن قامت الحكومة اللبنانية باحتكار قطاع الطاقة في البلاد، كانت جل المحاولات المبذولة لحل الأزمة متمركزة حول إنفاق المزيد من أموال دافعي الضرائب لمواجهة هذه المشكلة. لكن هذه الاستراتيجية لم تنجح. فمنذ عام 2010، أنفقت الحكومة اللبنانية 35 مليار دولار على الكهرباء، ومع ذلك، بقي الحال على ما كان عليه.

يتجاوز الافتقار إلى طاقة كهربائية مستقرة حد مجرد إزعاج شخصي بسيط. وكما قال أنجوس مكدويل Angus McDowell، كاتب في وكالة رويترز، “لقد تسببت أزمة الكهرباء في لبنان في دفعها إلى حافة الإفلاس المالي، حيث تسبب انقطاع تيار الكهرباء في عرقلة الاقتصاد، كما تزيد الإعانات من حدة المديونية العامة، فالبلاد تتصدر المراتب الأولى من حيث ارتفاع الديون”.  

تنفق لبنان أكثر من مليار دولار سنوياً من أجل دعم الطاقة، أي ما يعادل 40% من الدين الوطني. يعد هذا الأمر مريعا اذا ما علمنا ان البلاد تنفق نصف ميزانيتها لسداد الدين العام. والواقع أن هذا الإنفاق غير فعال، خاصة مع غياب استقرار حكومي، ما يشكل عائقا كبيرا أمام الاستثمارات التجارية. ويتضح ذلك جليا في بطء النمو الاقتصادي الذي لا يتجاوز 2بالمئة في أحسن الأحوال.

كان التحدي هائلا، ففي الفترة الممتدة بين 2014 و 2016،ظلت لبنان بدون رئيس. وما يزال المشكل مستمرا إلى حد اليوم بسبب الاقتتال الداخلي بين السياسيين، مع وجود شخصية مؤقتة غير قارة على رأس الحكومة. وعلى الرغم من أن إنتاج الطاقة في القطاع الخاص يعتبر أمرا غير قانوني من الناحية التقنية، إلا أن اللبنانيين أصبحوا يلجئون إلى مولدات الطاقة الخاصة. ، ففي عام 2017، وفرت المولدات الخاصة الكهرباء لفائدة 70% من الأسر أثناء انقطاع التيار الكهربائي.

يقول عبد اللهAbdAllah ، رجل أعمال يقوم بتوفير الكهرباء للساكنة عندما ينقطع التيار الكهربائي في البلاد: “أستخدم حاليًا مولدات رخيصة تصدر ضوضاء، ملوثة وليست ذات فعالية كبيرة… أود بناء محطات طاقة أكثر كفاءة… يمكنني التعامل مع جميع الخدمات اللوجستية، ولدي بالفعل قاعدة عملاء جيدة … وبمجرد أن يصبح الأمر قانونيًا، سيكون بإمكاني اقتراض أموال من البنك أو جذب مستثمرين لتنمية وتطوير عملي، وهو ما لا أستطيع فعله اليوم. “

يستجيب المزودون كعبد الله للطلب في السوق، لكن عروضه تبقى محدودة. تعتمد هذه المولدات على وقود ثقيل ملوث، ولا تشكل وسيلة مستدامة لتزويد الناس بالطاقة الكافية.

ولإحداث تغييرات فعالة، شرع معهد LIMS في حملته الدعوية تحت شعار “تشغيل الأضواء في لبنان”، تهدف إلى إصلاح مزدوج: خفض إعانات الكهرباء في لبنان والسماح للقطاع الخاص بدخول سوق إنتاج الكهرباء. ومن أجل تحقيق هذه الإصلاحات، رفع معهد LIMS الوعي العام من خلال الحضور المستمر في وسائل الإعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي. كما تواصل المعهد مع الأحزاب السياسية للحصول على دعمهم.

يعتبر كسر الاحتكار الحكومي مهمة صعبة، فمعركة ل معهد LIMS لم تكن سهلة أو سريعة.  في عام 2014، اتخذت المنظمة الخطوة الأولى في معركتها من خلال صياغة مقترح سياسي أصبح بمثابة مخططًا للإصلاح،  وكانت رؤية المعهد تتلخص في خفض الإنفاق الحكومي واستبدال الاحتكار العام للكهرباء بالمنافسة الخاصة.

ونتيجة لحملة إعلامية وتثقيفية كبرى في عام 2016، بدأ الرأي العام ينتقل من تشاؤم مستسلم إلى أمل وتفاؤل بعدما قدم معهد LIMS رؤية بديلة لكيفية إنتاج الكهرباء. لقد استفاد المعهد من تغيير الشعور العام هذا من أجل الضغط على المشرعين وعقد اجتماعات مع أعضاء البرلمان والوزراء بشكل خاص بحضور مستشاريهم. كانت هذه الخطوة مهمة جدا لأنها أقنعت المسئولين الحكوميين بأن الوضع الراهن لا يبشر بالخير، وقد قدم لهم المعهد أفكارا حول كيفية حل هذه المشكلة من خلال تبني مبادئ السوق الحرة.

ضاعف المعهد محادثاته السرية مع البرلمان وعزز حملته العامة، في حين استمرت لبنان في المعاناة من انقطاع التيار الكهربائي. فقد خططت الحكومة اللبنانية لزيادة توليد الطاقة من خلال بناء العديد من محطات الطاقة الجديدة واستئجار باخرتين إضافيتين لتوليد الطاقة، وكل ذلك على حساب دافعي الضرائب. تجدر الإشارة إلى أن “بواخر توليد الطاقة” هي عبارة عن سفن تم تحويلها إلى محطة عائمة لتوليد الطاقة الكهربائية وهي مسئولة عن 25% من إنتاج الكهرباء في لبنان. وعلى ضوء هذه المستجدات، قرر المعهد التدخل لمنع خطة الإنفاق الضخمة والترويج لحل قائم على السوق.

“إن أي خطة تعمل ببساطة على دعم النظام الحالي من دون إصلاح جاد، هي خطة محكوم عليها بالفشل.”

أدرك المعهد أن الخطوة الأولى اللازمة في عملية الكفاح ضد بواخر توليد الطاقة تتلخص في استخدام طبقات البيروقراطية الحكومية واللوائح التنظيمية المفرطة ضدها، الأمر الذي سوف يؤدي إلى إبطاء تنفيذ الخطة من خلال الإصرار على مراجعة تفصيلية بين الإدارات. لقد كان المعهد على يقين تام من نجاح هذه التدخل لتعطي المشروع الحكومي.

بعد ذلك، حول المعهد تركيزه إلى نشر البحوث التي توضح كيف يمكن للمصانع الخاصة توفير الكهرباء بنصف تكلفة بواخر توليد الطاقة المتعاقد عليها مع تركيا، فالحكومة اللبنانية لم تكن تتوفر على المال لشراء وقود لهذه البواخر والبارجات حتى لو تم تقديم المعدات لها مجانًا، لأن وزارة الطاقة قد تجاوزت بالفعل ميزانيتها لعام 2018.

لم تكن بواخر توليد الطاقة غير ناجعة وأكثر تكلفة من الإنتاج الخاص في الأراضي اللبنانية فحسب، بل كانت أيضا كارثة على المستوى البيئي. وقد شارك المعهد قصص سكان بلدة ذوق مكايل، الذين ما انفكوا يشتكون منذ فترة طويلة للحكومة من المشاكل الصحية التي تسببها بواخر توليد الطاقة. كان من شأن الاقتراح الحكومي السابق القاضي بإضافة بواخر توليد طاقة أخرى في نفس المنطقة أن يضاعف معاناة السكان المحليين المتضررين.

إذا كان بوسع الشركات الخاصة توفير خدمة أفضل وأرخص، فلماذا تحتكر الحكومة إنتاج الطاقة؟ يتعين عليها بدلا من ذلك أن تفتح السوق أمام الآخرين للتنافس، فالقرار سيعود بالنفع على الشعب اللبناني. لذا، حرص معهد LIMS من أن يسمع الجمهور هذه الحقيقة بصوت عالٍ وواضح.

حقق معهد LIMS انتصارًا حاسمًا في الكفاح من أجل تحرير قطاع الكهرباء، وأدى نجاحهم إلى توفير خدمات أفضل وفرص إصلاح جديدة. ففي أكتوبر/تشرين 2018، ساعدت دعوة المعهد في إزالة بارجة توليد طاقة جديدة باهظة التكلفة تم استخدامها في البلد مؤخرًا.  ومنذ ذلك الزمن، توالت انتصارات المعهد. في الربيع التالي، فتحت أول شركة كهرباء مملوكة للقطاع الخاص في لبنان أبوابها بدعم واحتفال من قبل فريق عمل LIMS. وفي 17 نيسان/أبريل 2019، صادق البرلمان اللبناني على خطة جديدة للكهرباء تقوم على خفض الإعانات المقدمة إلى شركة الكهرباء الحكومية وتفسح المجال أمام الشركات الخاصة لإنتاج الكهرباء.

دراسة حالة من لبنان – مقتطف من كتاب “الفقر والحرية: نماذج حول العالم“.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هل يؤدي توسع السوق إلى تدهور الروابط الإجتماعية؟

كيف تتسبب الضرائب والتعاريف الجمركية في موت مئات النساء في سريلانكا سنويا؟