الحرية الاقتصادية
in

الحرية الاقتصادية: سياسات التقدم الدائم والازدهار

لبناء عالم أفضل، يجب أن نتحلى بالشجاعة لبداية جديدة؛ يجب أن نزيل العقبات الآتية من حماقة الإنسان التي تعيق مسارنا مؤخرًا وإطلاق الطاقة الإبداعية للأفراد؛ يجب أن نهيئ الظروف المواتية للتقدم بدلاً من “التخطيط للتقدم” … المبدأُ التوجيهيُّ في أية محاولة لخلق عالم من الأفراد الأحرار يجب أن يكون: أن سياسة الحرية للفرد هي السياسة التقدمية الوحيدة الأحقّ.

~ فريدريك هايك

رابط تحميل الملف PDF في الأسفل

مع اعتبار قيمة الحرية الاقتصادية مكونًا حيويًا لكرامة الإنسان والاستقلالية والتمكين الشخصي فإنها تعد غايةً بحد ذاتها، وعلى نفس القدر من الأهمية؛ توفر الحرية الاقتصادية صيغة مُثبتة للتقدم والنجاح الاقتصادي.

نعلم من البيانات التي نجمعها لبناء مؤشر الحرية الاقتصادية أن لكل جانب من أبعادها تأثيرٌ كبيرٌ في النمو الاقتصادي والازدهار، وتميل السياسات التي تسمح بحرية أكبر في أي من المجالات المقاسة إلى تحفيز النمو، الذي هو بدوره عنصرٌ أساسيٌّ لتوليد المزيد من الفرص أمام الناس للعمل، وبالتالي الحد من الفقر وبناء ازدهار دائم.

لكنّ الحرية الاقتصادية ليست نظامًا واحدًا، وفي كثير من النواحي هي عدم وجود نظام واحد مسيطر، وقد أظهر المؤشر -على مدار السنوات الـ 25 الماضية- أن الحرية الاقتصادية ليست أيديولوجية دوغماتية وإنما تمثل فلسفةً ترفض الدوغمائية وتتبنى إستراتيجيات متنافسة ومتنوعة للتقدم الاقتصادي. كذلك يقدم -في كل عام- دليلاً مقنعًا على أن السياسات التي فشلنا في تنفيذها ليست هي ما يعيق النمو الاقتصادي؛ وإنما السياسات المريعة التي تضعها حكوماتنا في كثير من الأحيان.

يؤمن مؤيدو الحرية الاقتصادية في حق الأفراد في أن يقرروا كيفية توجيه حياتهم ذاتيًا. إن الفائدة الإضافية من وجهة نظر المجتمع هي القوة المثبتة للأفراد الذين يوجهون أنفسهم، سواء كانوا يعملون بمفردهم أو يعملون معًا في جمعيات أو شركات، لإنتاج السلع والخدمات التي تستجيب بصورة أفضل لاحتياجات المواطنين ورغباتهم.

ما من دولة توفر الحرية الكاملة لمواطنيها، وتلك التي تسمح بمستويات عالية من الحرية لديها معتقدات مختلفة عن جوانب الحرية الأكثر أهمية، وهذا يتفق مع طبيعة الحرية التي تسمح للأفراد والمجتمعات بصياغة مساراتهم الفريدة للازدهار.

في خلال الإصدارات السابقة من المؤشر، استكشفنا العديد من الجوانب الحاسمة للعلاقات بين الأفراد والحكومات وركزنا في قياس الحرية الاقتصادية على مجموعة شاملة ولكنها بعيدة كل البعد عن مجموعة من المجالات السياساتية التي تعمل فيها الحكومات عادةً، للأفضل أو الأسوأ. ومع ذلك؛ فإن مفهوم الحرية بطبيعته يقاوم تعريفًا ضيقًا ويبدو أنه كل عام يجلب تحديات جديدة من الساعين إلى فرض آرائهم الخاصة على الإجراءات الاقتصادية للآخرين أو السيطرة عليها.

مع ظهور تهديدات جديدة للحرية الاقتصادية في أنحاء العالم، ستستمر تعريفاتنا ومنهجياتنا في التطور حتى نتمكن من تقديم صورة حقيقية قدر الإمكان لحالة الحرية الاقتصادية في أنحاء العالم.

تعريف الحرية الاقتصادية

تتعلق الحرية الاقتصادية في جوهرها بالاستقلالية الفردية، وتهتم أساسًا بحرية الاختيار التي يتمتع بها الأفراد في الحصول على السلع والموارد الاقتصادية واستخدامها. إن الافتراض الأساسي للذين يفضلون الحرية الاقتصادية هو أن الأفراد يعرفون احتياجاتهم ورغباتهم على أفضل وجه وأن الحياة الموجهة ذاتيًا و المسترشدة بفلسفات الشخص وأولوياته بدلاً من تلك الخاصة بالحكومة أو النخبة التكنوقراطية، هي الأساس الذي يقوم عليه وجود مرضٍ. ينبع الاستقلال واحترام الذات من المسؤولية والقدرة على رعاية الذات والأسرة، ويساهمون بشكل لا يقدر بثمن في كرامة الإنسان والمساواة.

لا يمكن اعتبار الاستقلال الذاتي الفردي مطلقًا عند العيش في مجتمعات كما نفعل اليوم. يعتبر العديد من الأفراد أن رفاهية عائلاتهم ومجتمعاتهم متساوية في الأهمية بالنسبة لهم، وقد تنتهي الحقوق الشخصية التي يتمتع بها شخص واحد عند عتبة جاره. إن القراراتِ والأنشطة التي لها تأثير مؤكد أو محتمل على الآخرين مقيدةٌ بشكل صحيح بالمعايير المجتمعية، وفي أكثر المجالات حاسمة يكون ذلك من خلال القوانين أو اللوائح الحكومية.

في اقتصاد السوق، تعتبر المعايير المجتمعية -وليس القوانين واللوائح الحكومية- هي المنظم الأساسي للسلوك، وتنمو هذه المعايير عضويًا من المجتمع نفسه، مما يعكس تاريخها وثقافتها وخبرة الأجيال التي تتعلم كيف تعيش بعضها مع بعض، كذلك توجه فهمنا للأخلاقيات وآداب العلاقات الشخصية والمهنية وأذواق المستهلكين. تعكس النظم السياسية الديمقراطية -في أفضل حالاتها- المعاييرَ المجتمعية في قوانينها وأنظمتها، ولكن حتى الحكومات الديمقراطية، إذا لم تكن مقيدة بالقيود الدستورية أو غيرها من القيود التقليدية، قد تشكل تهديدات كبيرة للحرية الاقتصادية. إن القيود المفروضة على الحرية الاقتصادية بقاعدة الأغلبية ليست أقل من القيود المفروضة من قبل الحاكم المطلق أو حكم القلة (Oligarch). وبالتالي، فليس نوع الحكومة هو الذي يحدد درجة الحرية الاقتصادية بقدر ما هو مدى حدود الحكومة التي لا يجوز لها، أو على الأقل عدم تجاوزها.

حتمًا، سيركز أي نقاش حول الحرية الاقتصادية على العلاقة الحاسمة بين الأفراد والحكومة، وعمومًا؛ فإن إجراءات الدولة أو سيطرة الحكومة التي تتعارض مع الاستقلال الذاتي الفردي تحد من الحرية الاقتصادية. ومع ذلك؛ ليس الهدفُ من الحرية الاقتصادية غياب الإكراه أو القيود الحكومية، بل إنشاء الشعور المتبادل بالحرية للجميع والحفاظ عليه. ثم إن بعض الإجراءات الحكومية ضرورية لمواطني أي دولة بغرض الدفاع عن أنفسهم وتعزيز التطور السلمي للمجتمع المدني، ولكن عندما يتجاوز عمل الحكومة الحد الأدنى الضروري، فإنه من المحتمل أن ينتهك الحرية الاقتصادية أو الشخصية لشخص ما.

فرضت الحكومات على مر التاريخ مجموعةً واسعةً من القيود على النشاط الاقتصادي. غالبًا ما تُفرَضُ مثل هذه القيود -على الرغم من فرضها في بعض الأحيان باسم المساواة أو بعض الأغراض المجتمعية النبيلة ظاهريًا- لصالح النُّخب المجتمعية أو لأصحاب المصالح الخاصة؛ كما لاحظ ميلتون وروز فريدمان ذات مرة:

“إن المجتمع الذي يضع المساواة -بمعنى المساواة في النتائج- قبل الحرية سوف ينتهي بلا مساواة ولا حرية. إن استخدام القوة لتحقيق المساواة سوف يدمر الحرية، والقوة التي تُقدَّم لأهداف خيّرة، ستنتهي في أيدي الأشخاص الذين سيستخدمونها لتعزيز مصالحهم الخاصة”.

إن تدخل الحكومة المُفرِط في مجالات واسعة من النشاط الاقتصادي يأتي بتكلفة عالية على المجتمع ككل؛ ومن خلال استبدال الأحكام السياسية لتلك الموجودة في السوق، تحوّل الحكومة موارد ريادة الأعمال من الأنشطة الإنتاجية إلى البحث عن الأنشطة الريعية، والسعي إلى تحقيق فوائد غير مكتسبة اقتصاديًا، والنتيجة هي انخفاض الإنتاجية والركود الاقتصادي وتراجع الازدهار.

تقييم الحرية الاقتصادية

يأخذ مؤشر الحرية الاقتصادية نظرة شاملة للحرية الاقتصادية، تتعلق بعض جوانب الحرية الاقتصادية التي تُقيَّم بتفاعلات الدولة مع بقية العالم (على سبيل المثال: مدى انفتاح الاقتصاد على الاستثمار الخارجي أو التجارة العالمية)، غير أن معظمهم يركّز على السياسات داخل البلد، ويقيّمون حرية الأفراد في استخدام عملهم أو أموالهم دون قيود غير مبررة وتدخل حكومي.

يؤدي كل جانب من جوانب الحرية الاقتصادية المقاسة دورًا حيويًا في تعزيز  الازدهار الشخصي والوطني واستدامتهما. ومع ذلك؛ فكل هذه الجوانب تكمل الأخرى، ومن المرجح أن التقدم في مجال ما سيساهم في تعزيز التقدم في مجال آخر. وبالمثل؛ فإن الحرية الاقتصادية المكبوتة في مجال واحد (على سبيل المثال: عدم احترام حقوق الملكية) قد تجعل من الصعب تحقيق مستويات عالية من الحرية في فئات أخرى.

صُنِّفت الجوانب الـ 12 للحرية الاقتصادية التي قيسَت في المؤشر إلى أربع فئات عريضة:

  •  سيادة القانون (حقوق الملكية / الفعالية القضائية / نزاهة الحكومة)؛
  •  حجم الحكومة (العبء الضريبي / الإنفاق الحكومي / الصحة المالية)؛
  •  الكفاءة التنظيمية (حرية الأعمال / حرية العمل / الحرية النقدية)؛ 
  •  انفتاح السوق (حرية التجارة / حرية الاستثمار / الحرية المالية).

سيادة القانون

  • حقوق الملكية الخاصة:

 في اقتصاد السوق الفعال، تعد القدرة على تجميع الملكية الخاصة والثروة قوة دافعة مركزية للعمال والمستثمرين ويُعتبر الاعتراف بحقوق الملكية الخاصة وسيادة القانون الفعالة لحماية هذه الحقوق من السمات الحيوية لاقتصاد السوق الحرة. كذلك تمنح حقوقُ الملكية المؤمنة المواطنين الثقة للقيام بنشاط ريادي وتوفير دخلهم ووضع خطط طويلة الأمد لأنهم يعرفون أن دخلهم مدّخراتهم وممتلكاتهم آمنةً من المصادرة غير المشروعة أو السرقة.

حقوقُ الملكية هي العاملُ الأساسي في تراكم رأس المال للإنتاج والاستثمار، ويعد التمليك الآمن عاملاً أساسيًا لفتح الثروة المتجسدة في العقارات، وإتاحة الموارد الطبيعية للاستخدام الاقتصادي، وتوفير ضمانات لتمويل الاستثمار. ومن خلال توسيع وحماية حقوق الملكية، تتجنب المجتمعات “مأساة المشاعات”؛ وهي الظاهرة التي تؤدي إلى تدهور الممتلكات غير المسؤول عنها واستغلالها والتي تتم بشكل جماعي ولا يحاسَب عنها أحد. بعد تنفيذ العقود أحد الجوانب الرئيسة لحماية حقوق الملكية، في حين يعد التعهد الطوعي بالالتزامات التعاقدية أساسَ نظام السوق وأساس التخصص الاقتصادي والمكاسب من التبادل التجاري والتجارة بين الدول، ثم إن التنفيذ الحكومي المتساوي للعقود الخاصة ضروري لضمان الإنصاف والنزاهة في السوق.

  • الفعالية القضائية:

 تعمل الأطر القانونية الجيدة على حماية حقوق جميع المواطنين من الانتهاك من قبل الآخرين ومن قبل الحكومات والأطراف القوية. وبكون الفعالية القضائية فاعلًا أساسيًا لسيادة القانون، فإنها تتطلب وجود أنظمة قضائية فعالة وعادلة لضمان احترام القوانين احترامًا تامًا مع اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة ضد الانتهاكات.

قد تكون الفعالية القضائية -وخاصة بالنسبة للبلدان النامية- مجالَ الحرية الاقتصادي الأكثر أهمية في إرساء أسس النمو الاقتصادي، وفي الاقتصادات المتقدمة  قد يكون الانحراف عن الفعالية القضائية أولى علامات المشكلات الخطيرة التي ستؤدي إلى التدهور الاقتصادي.

هناك كثيرٌ من الأدلة من جميع أنحاء العالم على أن النظام القضائي النزيه والعادل والفعال هو عامل حاسم في تمكين الأفراد وإنهاء التمييز وتعزيز المنافسة. في النضال الذي لا ينتهي من أجل تحسين الوضع الإنساني وتحقيق ازدهار أكبر، فإن الالتزام المؤسسي بالحفاظ على الفعالية القضائية والنهوض بها أمر بالغ الأهمية.

  • نزاهة الحكومة:

 في عالم يتميز بالتنوع الاجتماعي والثقافي، قد تعكس الممارساتُ التي تعد فاسدة في مكان ما التفاعلاتِ التقليديةَ في مكان آخر ببساطة؛ فعلى سبيل المثال: يمكن اعتبار المدفوعات الصغيرة غير الرسمية لمقدمي الخدمات أو حتى للمسؤولين الحكوميين بشكل مختلف وسيلة تعويض عادية، أو “بقشيش” للخدمة الجيدة بشكل غير معتاد، أو شكلًا فاسدًا من أشكال الابتزاز.

في حين أن هذه الممارسات قد تقيد بالفعل الحرية الاقتصادية للفرد، من المرجح أن يكون تأثيرها على النظام الاقتصادي ككل متواضعًا. ومما يثير القلق أكثر بكثير هو الفساد المنهجي للمؤسسات الحكومية من خلال ممارسات مثل الرشوة والمحسوبية ومحاباة الأقارب والوصاية والاختلاس والكسب غير المشروع. على الرغم من أن هذه الممارسات قد لا تعتبر جرائمَ بالمجمل في كل مجتمع أو ظرفية؛ إلا أنها تقوض نزاهة الحكومة أينما تمارس. ومن خلال السماح لبعض الأفراد أو المصالح الخاصة بالحصول على منافع حكومية على حساب الآخرين، فإنهم يتعارضون بشكل صارخ مع مبادئ المعاملة العادلة والمتساوية التي تعد مكونات أساسية لمجتمع حر اقتصاديًا.

هناك علاقة مباشرة بين مدى تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي وانتشار الفساد، وعلى وجه الخصوص، توفر اللوائح الحكومية المفرطة والمسهبة فرصًا للرشوة والفساد، وتضر الممارسات الفاسدة مثل الرشوة والكسب غير المشروع، بدورها، بالنمو الاقتصادي والتنمية.

أضف أن اللوائح أو القيود الحكومية في مجال ما قد تؤدي إلى إنشاء أسواق غير رسمية أو سوداء في مجال آخر؛ على سبيل المثال: من خلال فرض عديدٍ من الحواجز المرهقة لممارسة الأعمال التجارية، بما في ذلك الروتين البيروقراطي التنظيمي والتكاليف المرتفعة للمعاملات، يمكن للحكومة تحفيز الرشوة وتشجيع التفاعلات غير المشروعة والسرية التي تقوض الشفافية الضرورية للتشغيل الفعال للسوق الحرة.

حجم الحكومة

  • العبء الضريبي:

تفرض جميع الحكومات أعباءً مالية على النشاط الاقتصادي من خلال الضرائب والاستدانة، ومع ذلك؛ فإن الحكومات التي تسمح للأفراد والشركات بالحفاظ على حصة أكبر من دخلهم وثرواتهم وإدارتها واستخدامها لمنفعتهم الشخصية، تزيد من الحرية الاقتصادية إلى أقصى حد.

وكلما ارتفعت حصة الحكومة من دخل الفرد أو ثروته، تنخفض مكافأة الفرد على نشاطه الاقتصادي وينقص الحافز للقيام بالعمل، إذ تقلل معدلات الضرائب المرتفعة من قدرة الأفراد والشركات على تحقيق أهدافهم في السوق وبالتالي خفض مستوى نشاط القطاع الخاص عامة.

تُعد معدلات ضريبة دخل الأفراد والشركات قيدًا مهمًا ومباشرًا على الحرية الاقتصادية للفرد وتنعكس بشكل سيئ على مؤشر الحرية الاقتصادية، ولكنها ليست مقياسًا شاملاً للعبء الضريبي. تفرض الحكومات العديد من الضرائب غير المباشرة الأخرى، بما في ذلك كشوف الرواتب والمبيعات وضرائب على الإنتاج، وكذلك التعريفات الجمركية والضرائب على القيمة المضافة. ويُحتَسَب عبء هذه الضرائب في مؤشر الحرية الاقتصادية من خلال قياس العبء الضريبي الإجمالي من جميع أشكال هذه الضرائب بمثابة نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي.

  • الإنفاق الحكومي:

تعد التكلفة والحجم والتدخل الحكومي مجتمعين قضيةً مركزية للحرية الاقتصادية تُقاس في المؤشر بطرائق متنوعة؛ يأتي الإنفاق الحكومي بأشكال عديدة، وليست جميعها مضرة بالحرية الاقتصادية بنفس القدر. يمكن اعتبار بعض أشكال الإنفاق الحكومي (على سبيل المثال: لتوفير البنية التحتية أو تمويل الأبحاث أو تحسين رأس المال البشري) استثمارًا، كذلك تنفق الحكومة على السلع العامة، والتي تعود فوائدها على نطاق واسع على المجتمع.

ومع ذلك، يجب تمويل كل الإنفاق الحكومي في نهاية المطاف عن طريق فرض ضرائب ويستلزم هذا تكلفة الفرص البديلة، تكون هذه التكلفة قيمةَ الاستهلاك أو الاستثمار الذي كان سيحدث لو تركَت الموارد المعنية (أي التي أُخذَت في شكل ضرائب) في القطاع الخاص.

إن الإفراط في الإنفاق الحكومي يؤدي إلى خطر كبير يؤدي بدوره إلى مزاحمة اقتصادية Crowding-Out للنشاط الاقتصادي الخاص. حتى إذا حقق الاقتصاد نموًا أسرع من خلال زيادة الإنفاق الحكومي، فإن مثل هذا التوسع الاقتصادي يميل إلى أن يكون مؤقتًا فقط؛ الأمر الذي يؤدي إلى تشويه عملية تخصيص الموارد في السوق وحوافز الاستثمار الخاص. والأسوأ من ذلك أن عزل الحكومة عن انضباط السوق غالبًا ما يؤدي إلى البيروقراطية وانخفاض الإنتاجية وعدم الكفاءة وتزايد الدَّين العام الذي يفرض عبئًا أكبر على الأجيال القادمة.

  • صحة الموازنة المالية:

 من أوضح المؤشرات على مدى احترام الحكومة لمبدأ الحكومة المحدودة هي ميزانيتها، ومن خلال تحديد الأولويات وتخصيص الموارد، تشير الميزانية بوضوح إلى المجالات التي تتدخل فيها الحكومة في النشاط الاقتصادي ومدى هذا التدخل. علاوة على ذلك، فإن الميزانية تعكس التزام الحكومة (أو عدمه) بالإدارة المالية السليمة للموارد، والتي تعد ضرورية للتوسع الاقتصادي الديناميكي على المدى الطويل وحاسمة لتقدم الحرية الاقتصادية. 

يعد كلٌّ من العجز المتزايد وارتفاع عبء الديون عواقبَ مباشِرة لسوء إدارة الميزانية الحكومية، وهذا يؤدي إلى تآكل الصحة المالية العامة للبلد. أيضًا؛ غالبًا ما تؤدي الانحرافات عن المواقف المالية السليمة إلى زعزعة استقرار الاقتصاد الكلي، وتسبب عدم اليقين الاقتصادي، وبالتالي تحد من الحرية الاقتصادية.

الدَّين هو تراكم العجز في الميزانية مع مرور الوقت، ونظريًّا؛ يمكن لتمويل الدَّين للإنفاق العام أن يساهم إيجابيًّا في الاستثمار المثمر وفي النهاية للنمو الاقتصادي، وقد يكون الدَّين أيضًا بمثابة آلية للتدخل الإيجابي في الاقتصاد الكلي لمواجهة التقلبات الدورية أو حتى سياسات النمو الطويلة المدى. من ناحية أخرى، قد يكون للمستويات المرتفعة للدَّين العام آثار سلبية عديدة مثل رفع أسعار الفائدة، والمزاحمة الاقتصادية Crowding-Out للاستثمار الخاص، والحد من مرونة الحكومة في الاستجابة للأزمات الاقتصادية. إن الدين العام المتصاعد المدفوع بالعجز المستمر في الميزانية، وخاصة الإنفاق الذي يعزز الاستهلاك الحكومي أو المدفوعات التحويلية، غالبًا ما يقوض نمو الإنتاجية الإجمالي ويؤدي في النهاية إلى الركود الاقتصادي بدلاً من النمو.

الكفاءة التنظيمية

  • حرية القيام بالأعمال:

تعد قدرة الفرد على إنشاء مشروع وإدارته دون تدخل غير مبرر من طرف الدولة أحد أهم المؤشرات الأساسية للحرية الاقتصادية، ثمّ إن اللوائح الحكومية المرهقة وغير الضرورية هي العوائق الأكثر شيوعًا أمام حرية ممارسة ريادة الأعمال، ومن خلال زيادة تكاليف الإنتاج، يمكن أن تصعِّب اللوائحُ الحكومية النجاح في السوق على رجال الأعمال.

على الرغم من أن العديد من اللوائح الحكومية تعيق إنتاجية الأعمال ومستوى الربحية، إلا أن معظم اللوائح الحكومية التي تمنع روح المبادرة أو ريادة الأعمال هي تلك التي ترتبط بإصدار التراخيص لإنشاء الشركات الجديدة. في بعض البلدان إضافة إلى العديد من الولايات في أمريكا؛ يمكن أن يكون إجراء الحصول على ترخيص لإنشاء شركة بسيطًا مثل أنموذج تسجيل البريد بأقل رسوم. في هونغ كونغ، على سبيل المثال، يمكن للمرء الحصول على رخصة تجارية من خلال ملء أنموذج واحد، ويمكن إكمال العملية في غضون بضع ساعات. في الاقتصادات الأخرى مثل الهند وأجزاء من أمريكا الجنوبية؛ يمكن أن تستغرق عملية الحصول على رخصة تجارية وقتًا أطول وتتضمن رحلات لا نهاية لها إلى المكاتب الحكومية واللقاءات المتكررة مع البيروقراطيين الفضوليين والفاسدين.

بمجرد فتح عمل تجاري، قد تتدخل اللوائح الحكومية في عملية صنع القرار أو تحديد الأسعار، ومن المثير للاهتمام أن دولتين لهما نفس المجموعة من اللوائح الحكومية يمكن أن تفرض أعباء تنظيمية مختلفة؛ وإذا طبقت إحدى الدول لوائحها بالتساوي وبشفافية، فيمكنها تقليل العبء التنظيمي من خلال تسهيل تخطيط الأعمال على المدى الطويل، وإذا كان الآخر يطبق اللوائح بغير اتّساق، فإنه يزيد من العبء التنظيمي من خلال خلق بيئةِ عمل لا يمكن التنبؤ بها.

  • حرية العمل:

إن قدرة الأفراد على إيجاد فرص العمل والمهن تعتبر عنصرًا أساسيًا من عناصر الحرية الاقتصادية. وعلى نفس المنوال؛ فإن قدرة الشركات على التعاقد بحرية حول العمالة وفصل العمال الزائدين عندما تختفي الحاجة إليهم تعد ضرورية لتعزيز الإنتاجية والحفاظ على النمو الاقتصادي الشامل.

 يتلخّصُ المبدأ الأساسي لأي سوق حرة اقتصاديًا في التبادل الطوعي، وهذا صحيح في سوق العمل تمامًا كما هي الحال في سوق السلع.

إن تدخل الدولة يولد نفس المشكلات في سوق العمل كالتي ينتجها في أي سوق أخرى؛ تتخذ لوائح العمل الحكومية مجموعة متنوعة من الأشكال، بما في ذلك الحد الأدنى للأجور أو ضوابط الأجور الأخرى والقيود المفروضة على ساعات العمل أو ظروف مكان العمل والقيود المفروضة على التوظيف وفصل العمال وغيرها من القيود التي تتدخل في العقد بين صاحب الشركة والعامل. تؤدي النقابات في العديد من البلدان دورًا مهمًا في تنظيم حرية العمل، وقد تكون -حسب طبيعة نشاطها- إما قوة لمزيد من الحرية أو عائقًا أمام الأداء الفعال لأسواق العمل.

تعاقب قوانين العمل المرهقة الشركات والعمال على حد سواء، وتمنع لوائح العمل الصارمة أصحاب العمل والموظفين من التفاوض بحرية حول التغييرات في شروط وظروف العمل، والنتيجة غالبًا ما تكون عدم توافق مزمن بين العرض والطلب على العمالة.

  • الحرية النقدية:

تتطلب الحرية النقدية عملة مستقرة وأسعارًا يحددها السوق. وسواء كان الأشخاص الأحرار اقتصاديًا رجالَ أعمال أو مستهلكين، فإنهم يحتاجوز إلى عملة ثابتة وموثوقة بمثابة وسيلة للتبادل ووحدة حساب ومخزن للقيمة؛ فمن غير الحرية النقدية، يصعب إنشاء قيمة طويلة الأجل أو تكديس رأس المال.

يمكن أن تتأثر قيمة عملة الدولة كثيرًا بالسياسة النقدية لحكومتها؛ ومن خلال سياسة نقدية تسعى لمكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار والحفاظ على ثروة البلاد، يمكن للناس الاعتماد على أسعار السوق للتنبؤ بالمستقبل؛ يمكن جعل الاستثمارات والمدخرات والخطط الأخرى طويلة المدى أكثر ثقة. على النقيض من ذلك؛ فإن السياسة التضخمية تصادر الثروة مثل ضرائب غير مرئية وتُشوه الأسعار، وتسيء تخصيص الموارد، وترفع تكلفة ممارسة الأعمال التجارية.

لا توجد نظرية واحدة مقبولة للسياسة النقدية الصحيحة لمجتمع حر، وفي وقت من الأوقات، فقد كان المعيار الذهبي يتمتع بدعم واسع النطاق. ثم إن ما يميز جميع النظريات النقدية اليوم تقريبًا هو دعم تضخم منخفض وبنك مركزي مستقل، كذلك يوجد اعترافٌ واسعُ النطاق بأن تحديد الأسعار يفسد كفاءة السوق ويؤدي إلى العجز أو إلى فائض.

السوق المفتوحة

  • حرية التجارة:

 تفرض العديد من الحكومات قيودًا على قدرة مواطنيها على التفاعل بحرية سواء كانو مشترين أو باعة في السوق الدولية، ويمكن أن تظهر القيود التجارية في شكل رسوم جمركية أو ضرائب على الصادرات أو حصص تجارية أو حظر تجاري صريح. ومع ذلك؛ يمكن أن تظهر القيود التجارية أيضًا بطرائق أكثر مكرًا، بوجه خاص في شكل حواجز تنظيمية تتعلق بالصحة أو السلامة.

إن الدرجة التي تعيق بها الحكومة التدفق الحر للتجارة الخارجية لها تأثير مباشر على قدرة الأفراد على متابعة أهدافهم الاقتصادية وتعظيم إنتاجيتهم ورفاههم؛ تزيد التعريفات، على سبيل المثال، مباشرة من الأسعار التي يدفعها المستهلكون المحليون مقابل الواردات الأجنبية؛ ولكنها تشوه أيضًا حوافز الإنتاج للمنتجين المحليين، مما يجعلهم ينتجون إما سلعة يفتقرون فيها إلى الميزة النسبية أو سلعة محمية من طرف الحكومة. هذا يعبق الكفاءة والنمو الاقتصادي الإجمالي، وفي كثير من الحالات، تضع القيود التجارية أيضًا منتجات وخدمات تكنولوجية متقدمة بعيدًا عن متناول رواد الأعمال المحليين، مما يحد من تطورهم الإنتاجي.

  • حرية الاستثمار:

إن بيئةً استثماريةً حرة ومفتوحة ستوفر لرواد الأعمال الحد الأقصى من الفرص والحوافز لتوسيع النشاط الاقتصادي وزيادة الإنتاجية وخلق فرص العمل. لن تتدفق الفوائد من بيئة كهذه فقط على الشركات الفردية التي تتحمل مخاطر الأعمال الريادية من أجل عائد أكبر، ولكن هذه الفوائد ستظهر أيضًا على المجتمع بأكمله. يتميز إطار الاستثمار الفعال بالشفافية والإنصاف، ويدعم جميع أنواع الشركات بدلاً من الشركات الكبيرة أو المهمة إستراتيجيًا، ويشجع الابتكار والمنافسة بدلاً من تثبيطها.

إن القيود المفروضة على حركة رأس المال، المحلية والدولية على حد سواء، تقوض التخصيص الفعال للموارد وتحد من الإنتاجية، وتشوه عملية صنع القرار الاقتصادي. يمكن للقيود المفروضة على الاستثمارات العابرة للحدود أن تحد من كل من التدفقات الداخلة والخارجة لرأس المال، وبالتالي تقلص الأسواق وتقلل فرص النمو.

في بيئة يتمتع فيها الأفراد والشركات بحرية اختيار مكان الاستثمار وكيفيته، يمكن أن يتدفق رأس المال إلى أفضل استخداماته: إلى القطاعات والأنشطة التي تشتد الحاجة إليها وتكون العائدات أكبر. إن عمل الدولة لإعادة توجيه تدفق رأس المال وتحديد الخيار هو عبءٌ ثقيل على حرية كل من المستثمر والشخص الذي يبحث عن رأس المال، وكلما زادت القيود التي تفرضها الدولة على الاستثمار، انخفض مستوى نشاطها الريادي.

  • الحرية المالية:

إن النظام المالي الرسمي الذي يسهل الوصول إليه ويعمل بكفاءة يضمن توفير خدمات متنوعة للادخار والائتمان والدفع والاستثمار للأفراد والشركات؛ ومن خلال توسيع فرص التمويل وتعزيز ريادة الأعمال، تشجع البيئة المصرفية المفتوحة المنافسة من أجل توفير الوساطة المالية الأكثر كفاءة بين الأسر والشركات وكذلك بين المستثمرين ورواد الأعمال.

ومن خلال عملية مدفوعة بالعرض والطلب، توفر الأسواق معلومات في الوقت الحقيقي عن الأسعار والانضباط الفوري للذين اتخذوا قرارات سيئة. تعتمد هذه العملية على الشفافية في السوق ونزاهة المعلومات المتاحة، ويضمن النظام التنظيمي المتعقل والفعال كليهما من خلال متطلبات الكشف والتدقيق المستقل.

وبصورةمتزايدة، يُستكمَل الدور المركزي الذي تشغله البنوك بخدمات مالية أخرى توفر وسائل بديلة لزيادة رأس المال أو تنويع المخاطر. كما هي الحال مع النظام المصرفي، يكمن الدور المفيد للحكومة في تنظيم هذه المؤسسات في ضمان الشفافية والنزاهة وتعزيز الكشف عن الأصول والالتزامات والمخاطر.

إن التنظيم المصرفي والمالي من قبل الدولة الذي يتجاوز ضمان الشفافية والنزاهة في الأسواق المالية يمكن أن يعيق الكفاءة، ويزيد من تكاليف تمويل نشاط ريادة الأعمال، ويحد من المنافسة. إذا تدخلت الحكومة في سوق الأسهم، على سبيل المثال، فإنها تتعارض مع اختيارات ملايين الأفراد من خلال التدخل في تسعير رأس المال؛ الدور الأكثر أهمية لاقتصاد السوق.

الحرية الاقتصادية؛ أكثر من بيئة عمل جيدة

من الواضح أن الحرية الاقتصادية تدور حول ما هو أكثر من مجرد بيئة تجارية حيث تزدهر روح المغامرة التجارية والرفاه، ومن خلال آثارها البعيدة المدى على مختلف جوانب التنمية البشرية، تمكّن الحرية الاقتصادية الناس وتطلق العنان لقوى الاختيار والفرص الجبارة وتغذي الحريات الأخرى وتحسن نوعية الحياة بشكل عام.

لا توجد أنظمة بديلة – وقد جُرب الكثير منها – في التمكن من الاقتراب من سجل رأسمالية السوق الحرة في تعزيز النمو وتعزيز الحالة الإنسانية. إن الصلة التي لا يمكن إنكارها بين الحرية الاقتصادية والازدهار هي دليل مذهل على ما يمكن للناس القيام به عندما تتاح لهم الفرصة لمتابعة مصالحهم الخاصة في إطار سيادة القانون.

للمضي قدمًا على أساس الجدارة المطلقة والعمل الشاق، يحتاج مواطنو أي دولة إلى نظام يحافظ على أسواق غير تمييزية، ويخصص الموارد بشكل محايد، ويكافئ الجهد الفردي والنجاحة هذه هي الوصفة المؤكدة للحرية الاقتصادية والتقدم البشري الحقيقي، والتي وثقها مؤشر الحرية الاقتصادية وشرحها تجريبيًا على مدار السنوات الـ 25 الماضية.

Endnote:

1. Milton Friedman and Rose D. Friedman, Free to Choose: A Personal Statement (New York: Harcourt Brace Jovanovich, 1979).

  • ترجمة: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمثال الحرية

من هي المرأة التي ألهمت تمثال الحرية؟

البطل بألف وجه

مراجعة كتاب: البطل بألف وجه – أو كيف تصبح بطلا – الجزء الأول