in

كهنة متعصبون وإله مزيف

تخيل إننا طوينا ورقة من منتصفها، ثم طويناها مرة أخرى من المنتصف، ومرة أخرى، وهكذا الى أن استطعنا طويها خمسين مرة، كم تتوقع أصبح سمكها بعد هذه الطويات؟ أرجوك كن كريما في توقعك فالرقم كبير جدا.

حسنا، ما هو الرقم الذي توقعته، مترين؟ ثلاثة أمتار؟ لا يا عزيزي، إنه مئة مليون كيلو متر، نعم لا يوجد خطأ مطبعي، إذا طويت ورقة لخمسين مرة فستمتد من الأرض الى الشمس.

لكن ما الذي حدث هنا؟ لماذا لا تستطيع حتى تخيل الطريقة التي نتج بها هذا الرقم؟ لا تقلق، أنت لا تعاني من مشكلة، أو بالأحرى أنت لا تعاني من هذه المشكلة وحدك، فالعقل الإنساني لا يستطيع إدراك النمو الأسي (وهو الذي يحدث عند طوي الورقة) لأنه ببساطة لم يتعامل معه في حياة الصيد، لذلك أنت لن تستطيع استيعاب الطريقة التي نتج بها هذا الرقم إلا إذا استخدمت الآلة الحاسبة.

فلنترك الألغاز الآن واسمح لي بسؤال شخصي هذه المرة، هل اعتقدت يوما أن قميصا معينا أو بنطلونا او أي شيء تملكه أو تعمله يجلب لك الحظ؟ إذا كنت مثل الغالبية العظمى من الناس فجوابك سيكون بالتأكيد نعم،  ولكن كما تعلم فإن نوع الملابس التي تلبسها لا يملك أي تأثير على أحداث العالم، أنت فقط تؤمن بأن هذه الأشياء يمكنها أن تجلب لك الحظ لأن عقلك مبرمج على ربط الأشياء، فقد تكون ربطت قميصا معينا بالحظ لأنك كنت تلبسه عندما التقيت حبيبتك لأول مرة، أو عندما نجحت في امتحان ما.

أليس هذا غريباً؟ أن يقودك عقلك لاستنتاجات “لا عقلانية” كهذه؟ في الحقيقة لا توجد أي غرابة في الموضوع، فمخ الإنسان ليس آلة لتكوين الأفكار المنطقية (لو  كان كذلك ما احتجنا مئات الكتب لتعليم المنطق)، إنما هو جهاز تطور في الإنسان ليساعده على نشر جيناته، وفي كثير من الأحيان تكون متطلبات البقاء والتكاثر مناقضة تماما لمتطلبات التفكير المنطقي، خذ مثلا ربط القميص بالحظ الجيد، تطور عقل الإنسان للقيام بعمليات الربط الغريبة هذه لأنها كانت مفيدة لحمايته من النباتات السامة، فإن أكل الرجل ثمرة واستيقظ مريضا في الصباح، لن يقترب من تلك الثمرة مرة أخرى، وسيعتبرها السبب في مرضه حتى وإن لم تكن كذلك، أما من عارض هذه الطريقة المتخلفة في الحماية من السموم وحاول معرفة السبب الحقيقي للمرض عن طريق تجربة الثمار الجديدة فقد انقرض سريعا ولم تستطع جيناته الذكية حمايته.

وقد عمل هذا الانتخاب الطبيعي على ترسيخ الكثير من طرق التفكير غير المنطقية في الإنسان، مثلا، اتباع العقل الجمعي (أي افتراض أن تصرفا ما صحيح فقط لأن الكثير من الناس يفعلونه) تطور في الإنسان لأنه كان كان مفيدا في أيام الصيد، فالرجل الذي ركض مع رفقائه عندما رآهم يركضون نجا بحياته من حيوان مفترس، أما ذلك الذكي الذي قرر أن لا يركض مالم يعرف السبب فقد وفر على النمور عملية مطاردة متعبة.

وكما هو واضح، فإن العيوب العقلية التي ذكرتها ليست سوى أمثلة بسيطة عن المصائب التي تركها الانتخاب الطبيعي في عقولنا (يمكنك قراءة كتاب فن التفكير الواضح لرولف دولبي وكتاب المغالطات المنطقية لعادل مصطفى إن أردت الاطلاع على أمثلة أخرى عن هذا  الموضوع).

الآن بعد هذه المقدمة الطويلة، دعنا ندخل صلب الموضوع، تخيل معي مثقفا لا يخلو عقله من العيوب التي تحدثنا عنها كتب نظرية لتغيير النظام الاقتصادي والاجتماعي للبشر من أجل مجتمع أسعد وأغنى حسب رأيه، ماذا تتوقع سيحدث إذا حاولنا تطبيق أفكاره؟

لا يوجد داع للتوقع، فلدينا تجربة مؤلمة عن الموضوع، لقد صمم كارل ماركس نظاما جديدا للمجتمع الإنساني على أسس عقلية بحتة، مدعيا أن الحل لكل مشاكل البشرية سيأتي بتطبيق هذا النظام، فماذا حدث عند تطبيقه؟ لقد حل الدمار وانتشر الطغيان ومات الملايين في كل مكان وصلت إليه اشتراكيته “العلمية”.

وطبعا إن سبب ذلك ليس في نوايا ماركس، فالجميع يعلم مدى حبه للإنسانية، وليس في شخص ماركس، فمن النادر جدا أن يولد إنسان بذكاء وإخلاص هذا الرجل، أين السبب إذن؟ لن أجيبك عن هذا السؤال، بل سأدعك مع ما قاله الفيلسوف الفرنسي مونتيني عن الموضوع، فلا أعقد أني أملك جوابا أبلغ من جوابه.

“فالمجتمع إطار شاسع جدا و جهاز شديد التعقيد من الغريزة و العرف و الأسطورة و القانون، يتشكل في بطء بحكمة الزمن الحاصلة من التجربة و الخطأ، بحيث يستحيل على أي عقل مفرد مهما بلغ من قوة و ذكاء أن يفككه و يعيد تشكيله دون فوضى و عذاب لا حصر لهما”.

ألم أقل لك إنه وصف بليغ؟!، ولكي تتأكد من صحة هذا الوصف أكثر، لك أن تبحث عن مؤسسي الأنظمة السياسية والاقتصادية التي نجحت (نسبيا) في توجيه حيواة الناس لقرون متعاقبة، كالرأسمالية والنظام الملكي  والإقطاع، لن تجد مؤسسا لهذه الأنظمة مهما بحثت، أتعلم لماذا؟ لأنها ليست من صنع مثقف مغرور بعقله، ولا سياسي أعمته السلطة، بل جاءت نتيجة عدة قرون من التجربة والخطأ في تفاعل غرائز الناس مع حاجاتهم وظروفهم.

أما تلك الأنظمة التي ابتدعها المثقفون، فمكانها مع روايات الخيال العلمي في المكتبات القديمة، وإن خرجت من هذا القسم – لا سامح الله – فستتسبب بآلام لا حصر لها، وأنا هنا لا أقصد رواية ماركس فقط، بل كل روايات المثقفين، من مدينة أفلاطون الفاضلة إلى حكومة برتراند راسل العالمية، وتذكر دائما أن الفرق الأساسي الوحيد بين رواية ماركس وروايات بقية المثقفين، هو أن الأولى وجدت الثوريين المستعدين لتطبيقها.

نعم، صحيح أن مدنهم الفاضلة لم تجد الحالمين المستعدين لتطبيقها، ولكن الكثير من أفكار المثقفين الغريبة  وجدت طريقها لإيذاء الناس، فقد سول لهم غرورهم بقدراتهم العقلية التلاعب بمؤسسات نظمت حيواة البشر لآلاف السنين، كتنظيم الأسرة والسوق الحرة والقانون، وكأن قدرات عقولهم تفوق خبرات ملايين الناس.

خذ مثلا نظرياتهم حول القوانين التي تحد من الجريمة، فبعد مئتي سنة من تطور أساليب الحكومات في القبض على المجرمين ومحاسبتهم، جاء المثقفون في القرن العشرين بنظرية جديدة للحد من الجرائم، فبدل معاقبة المجرمين وجعلهم عبرة لغيرهم مثلما فعل جميع المتحضرين من أسلافنا، قرر المثقفون أن محاربة “الأسباب الجذرية للجريمة” : كالفقر والعنصرية والجهل، أفضل من فرض العقوبات القاسية على  المجرمين، فماذا حدث عند تطبيق نظريتهم الجديدة؟ يال المفاجأة!، ارتفعت معدلات الجريمة بشكل كبير جدا في كل من أمريكا وبريطانيا بعدما كانت في انخفاض مستمر لقرنين كاملين، ولم تعد للانخفاض مجددا إلا بعد نبذ هذه الأفكار والعودة إلى الطرق التقليدية في محاربة الجريمة، فماذا حدث للمثقفين؟ هل اعتذروا؟ هل غيروا آرائهم؟ كلا، لا تزال هذه النظرية رائجة لحد الآن في أوساط المثقفين كأن شيئا لم يكن.

وكما هو واضح فإن نظرياتهم الغريبة لم تقتصر على الجريمة فقط، فلابد أن يكون لهم رأي في كل شيء، وها هو ذا برتراند راسل وجون ديوي ومجموعة من مثقفي ثلاثينيات القرن الماضي يروجون لنزع السلاح وتجريم الحرب في كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكا في نفس الوقت الذي كان هتلر فيه يسلح ألمانيا النازية من أجل الانقضاض على أوروبا، وقد كانت إحدى نتائج هذه الأفكار استسلام فرنسا لهتلر بعد شهرين فقط من القتال، رغم أنها وقفت بوجه ألمانيا أربع سنين في الحرب العالمية الأولى، ومن يعلم، ربما لو تمكنت فرنسا وبريطانيا من محاربة هتلر مبكراً لأُنقذت ملايين الأرواح.

أنت تظن أن أولئك المثقفين تعلموا الدرس وتخلوا عن نظرياتهم المؤذية، لكنك للأسف مخطئ، فبعد عشرين سنة فقط من الكوارث التي حدثت نتيجة أفكارهم، عاد المثقفون (بينهم راسل و ديوي) يشنون الحملات من أجل نزع السلاح من الدول الغربية في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي (وكأن نزع السلاح من طرف واحد سينهي الحرب) ولكن لحسن حظ البشرية لم يستمع الأمريكيون لهرائهم واستمروا بسباق التسليح حتى انتصروا فيه وأنهوا الحرب الباردة.

والسؤال الأنسب هنا لماذا، لماذا يتخذ المثقفون مثل هذه المواقف الحمقاء؟ إنه سؤال صعب جدا، ولكن توماس سويل في كتابه المثقفون والمجتمع، أجاب على هذا السؤال بشكل مذهل، ويمكن تلخيص إجابته كالآتي، إن المثقفين مثلهم مثل بقية الناس، يستجيبون للحوافز والعواقب، فمالذي يحفزهم لتبني الأفكار الشاذة والغريبة؟ إن الافكار الغريبة والمثيرة للانتباه تزيد من شهرة كاتبها وتثبت مكانه بين مثقفي عصره، لذلك فالمثقف سيكون دائما متحفزا لتبني وجهات النظر الغريبة حتى ولو من دون تعمده لذلك.

ولكن الصورة لم تكتمل هنا، إذ يشير سويل إلى أن المهندس مثلا، سيكون حذرا عند تطبيق أفكاره الغريبة على الواقع، فإن انهارت إحدى “أفكاره” على الناس داخلها سيواجه مشاكلا قانونية واقتصادية لا حصر لها، وكذلك الطبيب، لا يمكنه تجربة الأساليب العلاجية الجديدة دون الحذر من أن يلقى القبض عليه بتهمة القتل غير المتعمد، أما المثقف، فلا يتحمل أي عواقب نتيجة لفشل أفكاره، فلم يعاقب سارتر وبرنارد شو عندما صورا ألمانيا الهتلرية كدولة حضارية، ولم يفقد ميشيل فوكو سمعته عندما هلل للخميني كأنه ملاك نازل من السماء، ولم يتنازل أتباع ماركس عن تقديسهم له عندما شاهدوا أفكاره تقتل ملايين الناس، وها هم الآن المثقفون العراقيون يدعمون رجال الدين الشيعة الذين سرقوا وقتلوا العراقيين لسنين متواصلة ومع ذلك.. لا يزالون نجوما لامعة في الوسط الثقافي بالعراق.

هذه العصمة التي يتمتع بها المثقفون، بالإضافة إلى رغبتهم بالتميز والشهرة، توفر لهم كل الدوافع الممكنة لإنتاج الهراء، ولكن لكي يكون الهراء مقدسا، يجب أن يكون العقل إلهاً، حتى رغم العيوب الفطرية الموجودة فيه، وحتى رغم استحالة إلمامه بالمعرفة الكافية لفهم

المجتمع الإنساني، وحتى رغم أن معظم التنظيمات الاجتماعية قد تكونت عن طريق التجربة والخبرة لا عن طريق النظريات الفلسفية، لكن العقل بالنسبة إلى المثقفين يجب أن يكون إلهاً لا يخطئ، لأنه إن لم يكن كذلك فلا مبرر عندهم لفرض نظرياتهم العقلية على خبرات الناس المتكونة من التجربة والخطأ.

فمثلا، يعتقد المثقف أن باستطاعته تحديد أسعار السلع والخدمات بطريقة أكفأ من ملايين الناس الذين ينتجون هذه السلع عبر العالم، والذين قضوا سنينا من أعمارهم في دراسة هذه السلع من أجل إنتاجها بأسعار تكون متكافئة مع منافسيهم ومقبولة عند المستهلكين، وليست حملات تخفيض الأجارات أو زيادة الرواتب أو تقليل كشفيات الأطباء سوى تطبيق لهذا الاعتقاد، فالمثقف يظن أنه أفهم من ملايين التجار الذين طرحوا السعر وملايين المستهلكين الذين وافقوا عليه، هل لاحظت كمية الغرور؟

وبالطبع فإن غرورهم لم يتوقف على الاستهزاء بخبرات ملايين الناس الأحياء، بل استهزأو أيضاً بخبرات بلايين الناس الذين دفنوا تحت التراب، فبعد ما اختارت جميع المجتمعات المتحضرة في التاريخ تنظيم الأسرة كأساس تبني عليه أنظمتها، جاء المثقفون الآن يخبروننا بأن الأسرة تنظيم رجعي يجب أن نثور عليه، وأن الدولة هي المسؤولة عن تربية وتعليم الأجيال الجديدة، وأن للمثليين حق تكوين الأسر عن طريق التلقيح الاصطناعي والأمهات البديلات، بل إن بعضهم انطلق بخياله ليعلن أن الجنسين (الرجل والمرأة)  تركيبات صنعها المجتمع وليس لها وجود حقيقي. إن هرائهم ليس له حدود.

ولو أردت الكتابة عن جميع أنواع الهراء الذي ينتجونه لما انتهيت من حديثي هذا أبداً، لذلك سأنتقل الآن الى الفقرة التي أبرر فيها كلامي كي لا يؤخذ من سياقه أو يُفهم بشكل خاطئ. أو خلاصة المقال كما يسميها المثقفون.

أنا لا أدعوا هنا لنبذ التفكير العقلاني والتمسك بالعادات والتقاليد بكل الظروف، ولكني بنفس الوقت لا أقبل الاستهتار بكل ما علمته لنا الأجيال السابقة باسم العقل والتنوّر. ولست أسعى لاستئصال تأثيرات المثقفين على المجتمع، ولكنني لا أريد أن نأخذ جميع فتواهام كآيات منزلة من السماء. وبالتأكيد لست أروج لاحتقار العقل الإنساني وترويج الخرافة، ولكنني أريد أن نميز حدود قدراته كي لا نستخدمه فيما يؤذينا ويؤذي مجتمعاتنا، وأخيراً فأنا لا أقف في وجه تطور الناس والمجتمع، ولكنني أرفض التغييرات المتهورة التي تجلب مع منافعها أضراراً أشد وأكبر. هذه بديهيات واضحة، ولكننا للأسف نعيش في وقت حتى البديهيات تحتاج فيه إلى توضيح.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

69 Points
Upvote Downvote

كتب بواسطة حيدر محمد محسن

تعليق واحد

أترك تعليقاً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البروفيسور لوك مونتانييه؛ هل هو شخص يستحق أن ننصت إلى كلامه أم أنه مجرّد عالم مزيّف؟

من هو توماس سويل؟