in

قراءة في كتاب “عن الحرية” لجون ستيوارت ميل

“إن روح التطور ليست دائمًا روح الحرية لأنها تهدف إلى فرض التطورات على الناس غير الراغبين فيها؛ وروح الحرية على قدر تعلقِ الأمر برفضها لمثل هذه المحاولات، قد تتحالف على نطاق محلي ومؤقت مع أعداء التطور؛ ولكنّ المصدر الأزلي والثابت للتطور هو الحرية”.
– جون ستيوارت ميل.

اجتاحت البشريةَ رياحٌ عاتيةٌ تطلعت إلى بلوغ التحرر ونبذ القيود من أجل بلوغ الرفاه الاجتماعي والفكري والثقافي وكذلك الاقتصادي؛ إذ ما لبث يفنى فكر أي مفكر عبر التاريخ إلا وحاول مداهمة معضلة “الحرية” ومراودتها من كل جوانبها وتشعباتها، لعل وعسى يترك فيها بصمته لإفادة البشرية لاحقًا. ولا مبالغة في شيء إذا قلنا إن من أهم هؤلاء المفكرين والفلاسفة الذين حجزوا كوفتهم ومقعدهم ضمن أعظم من نظر لهذه الإشكالية (الحرية) الفيسلوفُ والسياسيُّ جون ستيوارت ميل، وذلك في كتابه الموسوم بـ “عن الحرية“.

إذًا؛ من يكون جون ستيوارت ميل؟ وماذا جاء في كتابه “عن الحرية”؟

 حياة جون ستيوارت ميل

جون ستيوارت ميل هو مفكر وسياسي ولد عام 1806م وقد عزله والده عن أقرانه منذ الصغر وأشرف على تعليمه وإخضاعه للانضباط الثقافي والفلسفي، ما جعله مميزًا عن أقرانه. بيد أن هذا الانضباط المحكم الذي تلقاه من والده حرمه من متاع الدنيا والشباب؛ لأنّ جُلَّ هدف أبيه كان جعل ابنه ذا عقلية مفكرة بامتياز، وما إن أصبح في الثامنة من عمره حتى أجاد قراءة اليونانية والمنطق الأرسطي ومختلف الفلاسفة اليونانيين إضافة إلى قراءته روائع الأدب المكتوب.

ذاع صيت ميل بفضل كتابه هذا -الذي نطالعه الآن- والذي يدعو فيه إلى الالتزام بمبادئ حرية الفرد التي تقوم على أساسها حرية المجتمع؛ إذ اعتبر أن هذا المبدأ -الذي يقر بالالتزام بمبادئ حرية الفرد– اقتبسه من الشاعر الإنجليزي المعاصر له “وليم وردزورت”. فضلًا عن اتكاله على الواقع لا على المثل العليا في الحكم على الأشياء؛ لأن والده جيمس ميل كان يدعو إلى ذلك فرباه على احترامه متبعًا في ذلك خطى جيريمي بنتام فيلسوف النفعية الشهير.

يتألف الكتاب من خمس فصول هي:

  • – مقدمة شاملة.
  • – عن “حرية الفكر والمناقشة”.
  • – عن “الفردية بوصفها إحدى عوامل الرفاه”.
  • – عن “حدود سلطة المجتمع على الفرد”.
  • – عن “تطبيقات”.

وفيما يلي تلخيص عام لمتن كلِّ فصلٍ من فصوله.

“المقدمة”

يعرض جون ستيوارت ميل في هذا الفصل التطور الذي عرفه مفهوم الحرية عبر التاريخ، إذ كان يعني قديمًا “الحماية من طغيان القادة السياسيين”. على أن تطور مفهوم الحرية حسب ميل، ارتبط بتغير في شكل السلطة؛ أي الصراع بين السلطة والحرية. وقد عرف ميل هذا الصراع، باعتباره أحد الصفات الأكثر وضوحًا في أجزاء التاريخ المألوفة لدينا منذ القدم، خصوصًا في اليونان وروما وإنجلترا؛ إذ كان هذا الصراع في العصور القديمة بين المواطنين أو بعض طبقات المواطنين والحكومة. 

وقتئذ كان يقصد بالحرية “الحماية من طغيان القادة السياسيين”؛ فقد كان هدف الوطنيين بدايةً وضعُ حدود للسلطة التي سيعاني المجتمع بسبب ممارسة القائد لها، فقد كان يُنظر إلى هؤلاء القادة السياسيين على أنهم في وضع عدائي بالضرورة. وقد سُعِي إلى هذا المقصد بطريقتين؛ الأولى من خلال الاعتراف ببعض الحصانات والتي يطلق عليها الحريات أو الحقوق السياسية، والثانية تشييد النقاط المراقبة الدستورية والتي أضحت من خلالها موافقةُ المجتمع شرطًا ضروريًا لبعض أفعال السلطة الحاكمة.

ولا غرو في أن ميل أكد أن سبب حصر مفهوم الحرية قديمًا في “الحماية من طغيان القادة السياسيين”، هو أن البشر مقتنعون بمنازلة الأعداء وبأن يخضعوا الحكم لسيد واحد شريطة توفر ما يضمن حرياتهم من طغيان الحاكم وتسلطه؛ فتحقق هذا الشرط هو كل تطلعات البشر حينئذ.

ومع مرور الزمن؛ تغير نمط السلطة ودورها فأضحت الانتداب عن الشعب، أي يمكن عزل الحكام وإلغاء صلاحيتهم في أي وقت، إضافة إلى ولادة قيود على الحكومة من أجل حرية الشعب.

وقد أشار ميل كذلك في هذه المقدمة الشاملة أن طغيان الشعب أشد قوة من القمع السياسي، لأنه مقرون بشكل عميق بتفاصيل الحياة، إذ إن الحماية من طغيان الحاكم ليس كافيًا؛ بل يجب كذلك الحماية من طغيان الرأي والشعور.

ثم تطرق ميل فيما بعد إلى “العادة” و”الاعتقاد”، فوصفهما بأنهما شيئان يؤثران على السلوك الفردي وحريته، ورأى أن حرية المعتقد هي حق ثابت مصان، من ثم فحرية الفرد معرضة للتدخل من قبل الحكومة من خلال قوانين تحد الحريات والرأي العام من خلال سعيها لتحديد ما تقوم به الحكومة بمعية المنفعة الخاصة لهم.

وفي آخر هذا الفصل، يحدد ميل ثلاث نقاط أساسية، إن توفرت سيتمتع المجتمع بالحرية وهي:

  1. المجال الداخلي للوعي الذي يقتضي حرية العقيدة في أوسع معنى لها، وحرية الفكر والشعور، ثم حرية الرأي والميول.
  2. حرية الأذواق والمشارب؛ لفعل ما نشاء شريطة تحمل ما يترتب عن تلك الأفعال.
  3. حرية اجتماع الأفراد للتعاون على أي أمر، شريطة أن لا يكون فيه ضرر للغير. على أن الأفراد المجتمعين يجب أن يكونوا راشدين.

الفصل الثاني: “حرية الفكر والمناقشة”

إن الفكرة المحورية والعامة التي يحاول ميل بصمها في هذا الفصل تقر بأنه إذا كان شخص واحد غير متفق مع كل البشرية في مسألة معينة -أي له رأي مخالف لهم- فإن البشرية كلها لن يكون لها الحق في إسكات ذلك الشخص. فإذا كان الرأي صائبًا فهم يحرمون من استبدال الصواب بالخطأ، وإن كان خاطئا فإنهم سيخسرون الإدراك الأكثر وضوحًا عن الحقيقة. يقول جون ستيوارت ميل في هذا السياق: “إذا كان الرأي صحيحًا فقد يحرم هؤلاء الناس من فرصة استبدال الرأي الخاطئ بالرأي الصائب (الحقيقة)، وإن كان خاطئًا، فإن عدم المحاورة ستفقدهم فائدة عظيمة، وتحرمهم فرصة ثمينة تتمثل بالانطباع والتصور الحيوي الحاصل نتيجة معايشتهم ومشاهدتهم اصطدام الحقيقة بالخطأ”. إذ إن ميل عارض مسألة السماح لمجلس تشريعي ما (أو هيئة تنفيذية لا ترتبط مصالحها بمصالح الناس)، بأن يملي عليهم آراءهم ويحدد المذاهب والرؤى التي تسمح لهم بالاستماع إليها أو تبنيها.

كذلك أكد ميل على أنه لا وجود للحقيقة المطلقة بل كل شيء خاضع للعقل والنقاش؛ لأن العقل البشري قادر على تصحيح اختلالاته وأخطاءه من خلال المناقشة و التجربة، وليس من خلال التجربة فقط؛ بمعنى لا بد من وجود المناقشة من أجل تفسير التجربة. وأقر كذلك أن مسألة فائدة رأي معين، هي في حد ذاتها رأي قابل للجدل والنقاش؛ بمعنى أن كل شيء معرض للنقد والمعارضة، ثم إن الخطر الذي يبعد ويهدم حرية الرأي والتعبير هو الاستبداد العقلي، الذي يمنع الفكرة من الخضوع للنقاش واعتبار الفكرة السائدة هي الحقيقة المطلقة والإيمان بها دون إخضاعها للنقاش المفتوح.

وفي نهاية هذا الفصل عرض ميل في أربع حجج للتدليل على ضرورة كفالة حرية الفكر والتعبير وهي:

  • إخماد الرأي قد يخمد الحقيقة لأن الحقيقة تكتمل بتكامل الآراء.
  • تأكيد الثقة في الرأي الصواب.
  • إحياء الأفكار بمناقشتها ومنعها من التحول إلى نصوص جامدة جوفاء.
  • لا يجوز الحجر على حرية المناقشة ولو تجاوزت حدود العرق والأداب لصعوبة تعيين هذا الحد الفاصل.

الفصل الثالث: “الفردية بوصفها إحدى عوامل الرفاه”

بادئ ذي بدء؛ يرى جون ستيوارت ميل في هذا الفصل أن الفردانية هي ركن جوهري وأساسي للحضارة؛ فلن يتضح صفاء الحياة وقيمتها ولن تستقيم ما لم تتبلور وتتأكد شخصية الفرد، من خلال اختيار كل فرد لحياته ما يرضيه، ويجعله متميزًا عن الآخرين، إضابة إلى أنه يجب أن يختار ما يتفق مع خصاله وسجاياه.

كما أقرّ ميل في هذا الفصل أن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الذكاء والفطنة، إذ إن الإنسان الذي لا يتحلى بهذه الصفتين هو حيوان مبهم. وقد ذكر شرطين من أجل تحقيق فردية القوة والتطور، وهي الحرية وتعدد المواقف؛ على أن اتحاد هذين الشرطين ينتج النشاط الفردي.

واعتبر أن الفردانية لها فضل كبير في تطور البشرية؛ إذ تؤدي إلى التنوع والتقدمية البشرية لأنها مبنية على الحرية التي هي السمة الأساس من أجل التطور، وذكر أن المفهوم المقرون والمرتبط بالفردية هو “الاختيار” لأنه يطور القدرات العقلية للفرد؛ أي اختيار نمط العيش والأشياء التي يفعلها شريطة تحمل مسؤولية نتائج تلك الأفعال.

ويختم ميل الفصل بالأمر الذي يهدم ويسحق الفردية، وهو “الاستبداد”؛ إذ إن الإنسان إذا خضع للأنساق العامة سيؤدي ذلك إلى إضعاف كل ما هو فردي في نفسه. وللتخلص من هذا الامتثال بالأنساق العامة، وجب التحلي بالفردية وتهذيب النفس ضمن الحدود التي تفرضها حقوق الآخرين مصالحهم.

الفصل الرابع: “حدود سلطة المجتمع على الفرد”

في مستهل هذا الفصل يقر ميل أن كل من يتلقى حماية من المجتمع يدين بشيء مقابل تلك المنفعة؛ فالعيش في المجتمع يستوجب أن يلتزم الكل باحترام خط معين من السلوك تجاه الآخرين بمعنى تجنب إلحاق الضرر بمصالح الآخرين، وتحمل كل شخص لحصته من الجهود والتضحيات المترتبة من أجل حماية أفراد المجتمع من الأذى أو التحرش؛ على أن الإخلال بهذين الشرطين يتطلب تدخل السلطة القضائية في مواجهة الفرد؛ بمعنى أنه إذا وجد ضرر محدد أو خطر محدد يوقع الضرر، فإن القضية تخرج من مجال الحرية وتدخل في مجال الأخلاق أو القانون.

وأكد أن الوظيفة الطبيعية للسلطة العامة هي أن تحمي من الحوادث؛ فمثلًا إذا رأى مسؤول حكومي شخصًا ما يحاول أن يعبر جسرًا غير آمن، ولم يكن هناك وقت لتحذيره من الخطر المحدق به، فيجب أن يسلموا به ويوقفوه دون أي انتهاك حقيقي لحريته، وقد ذكر ثلاث نقاط أساسية تواجه تدخل الحكومة وهي:

  • حينما يكون إنجاز أمر ما أفضل على يد الأفراد أنفسهم بالمقارنة مع الحكومة.
  • أن يفعل الأفراد الشيء بأنفسهم وليس عن طريق الحكومة.
  • حينما يصبح تدخل الحكومة مراعاة للخوف من قبل الجمهور.

الفصل الخامس: “التطبيقات”

في بداية الفصل يذكر ميل القاعدتين اللتين تشكلان معًا مذهب هذا الكتاب، وهما: أولًا؛ أن الفرد ليس مسؤولًا أمام المجتمع عن أفعاله طالما أنها لا تخص أي شخص سواه، وثانيًا؛ أن الفرد مسؤول عن الأفعال التي تلحق الضرر بمصالح الآخرين.

وقد رفض ميل التعليم العام للدولة، بوصفه مجرد مخطط لقولبة الناس ليكونوا متشابهين تمامًا؛ ذلك لأن هذا القالب هو الذي تريده القوة المهيمنة في الحكومة وهذا ما يؤسس الاستبداد والتسلط على العقل والذي يقود إلى التسلط على الجسد.

ويختم ميل كتابه، بتأكيد أن الحرية المطلقة للفرد تضر بالآخرين نفسيًا وجسديًا حتى؛ بمعنى أن لكل فرد حق التصرف والاعتقاد والتفكير وما إلى ذلك، شريطة ألا يسبب الأذى الجسدي والنفسي الجارح للآخرين.


  • اسم المؤلف: جون ستيوارت ميل.
  • المترجم: هيثم كامل الذبيدي.
  • النسخة المترجمة من إصدار: منتدى مكتبة الإسكندرية.
  • عدد صفحات الكتاب: 140 صفحة.

  • بواسطة: حمزة كدة.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

هذا المقال نُشر في إطار فعاليات مسابقة #عن_الحرية.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

فريق وندرلاست

كتب بواسطة فريق وندرلاست

مشروع يعمل على الدفاع عن أفكار ومبادئ الحرية، ويشجع على العمل والإنتاج والتحصيل المعرفي البنّاء. نحنُ نُقدم مرجعا معرفيا ينمو باستمرار، يشمل مواد ومقالات عن الحرية الفردية والملكية الخاصة، السوق الحرة وأخلاقيات السلم وعدم الاعتداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جون لوك… التوق إلى الحرية

الاشتراكية: نهب شرعي