in ,

كيف تبنى الفينيقيون العملة الصعبة؟

ظهرت الحضارة الفينيقية في بدايات القرن 45 قبل الميلاد، وكانت التجارة خلال السنوات الأولى من تلك الحقبة قائمةً على المقايضة فقط، لاحقًا تخلى الفينيقيون عن المقايضة واعتمدوا وسيلة تبادل واحدة كانت الفضة في معظمها.

عملات الفينيقيون
عملات نقدية فضية فينيقية من بيبلوس (جبيل). النقش على اليمين يمثل أسدًا يهاجم ثورً، ويُظهر النقش على اليسار سفينة تحمل عددًا من المحاربين مع دروعهم، ووحش بحري في الماء تحت السفينة.

ظهرت الحضارة الفينيقية في بدايات القرن 45 قبل الميلاد، وكانت التجارة خلال السنوات الأولى من تلك الحقبة قائمةً على المقايضة فقط، فقد اعتاد الناس ببساطة على مبادلة السلع التي لا يحتاجونها مع السلع التي يحتاجونها أكثر في موعد المبادلة. كان أهم مورد جرت مقايضته شجر الأرز؛ كانت شجرة الأرز أو Cedrus Libani شجرةً عملاقةً فريدةً من نوعها نمت فقط على جبال لبنان، ومن هنا جاء اسم أرز لبنان. تتميز هذه الأشجار ببنيتها الخشبية الصلبة وحبوبها الدقيقة ولونها الجذاب المائل إلى الصفرة، وتتمتع بمتانة هائلة لذلك يمكن استخدامها في البناء والحرف اليدوية. بالنسبة للفينيقيين، كانت أشجار الأرز موردًا حيويًا، فقد استخدموا تلك الأشجار لبناء المنازل والمعابد، والأهم من ذلك لبناء قواربهم الفينيقية الشهيرة؛ لكي نفهم حقًا أهمية الأرز بالنسبة للفينيقيين، يجب علينا العودة إلى جبيل في 4500 قبل الميلاد، وهي أقدم مدينة مأهولة في العالم؛ كانت جبيل أول مدينة فينيقية موجودة على الإطلاق، حيث بدأت الإمبراطورية والثقافة والتقاليد الفينيقية، وانتشرت في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط. اكتشف الفينيقيون شجرة الأرز، وأنشؤوا اقتصادهم بالكامل تقريبًا حول الخشب الفريد الذي قدمته.

شجرة الأرز

اكتسبت شجرة الأرز شعبيتها لأول مرة بين العبرانيين، بُنَي معبد أورشليم جنوب جبيل باستخدام خشب الأرز، الذي قطعه وجهزّه الفينيقيون تحت حكم الملك حيرام. تردد صدى هذه التجارة مع عميل محتمل أكبر في الجنوب، في مصر. أقام الفينيقيون علاقات تجارية مع المصريين. يعتقد علماء الآثار أن الأهرامات بُنيت باستخدام أرز لبنان. اعتاد الفينيقيون الإبحار بقوارب الأرز الخاصة بهم إلى ساحل الدلتا المصرية لنقل خشب الأرز العظيم الذي استخدمه المصريون في البناء، استبدل الفينيقيون بالخشب بعض المعادن النادرة والمجوهرات التي كانت تستخدم في التجارة في أراضيهم، وكانت هذه العملية حينئذ أكبر وأهم علاقة مقايضة للفينيقيين، فوجود عميل ضخم مثل المصريين يعني الازدهار الاقتصادي لشعب جبيل.

كانت شجرة الأرز وسيلةً رائعةً للمقايضة على المستوى الإقليمي، ولكن التجارة باستخدام خشب الأرز لم تكن عمليةً بالنسبة للفينيقيين على المستوى المحلي. حدثت التجارة الداخلية بين المدن الفينيقية من خلال تبادل سلعة يوجد فائضٌ منها بسلعة أخرى كان لدى المدينة الأخرى فائضٌ منها، وخير مثال على ذلك هو المضايقة بين زيت الزيتون والنبيذ. كان لدى البلدات الواقعة جنوب جبيل فائضٌ من النبيذ بشكل أساسي، بينما كان لدى البلدات الشمالية فائض من زيت الزيتون، ومع تقدم الوقت، وبعد أن أقام الفينيقيون علاقات تجارية على المستوى الدولي، وامتلكوا البحر الأبيض المتوسط ​​بشكل أساسي، بدؤوا في جلب معادن ومجوهرات أكثر قيمةً وندرةً مثل الفحم والفضة ونحو ذلك، استُخدِمت هذه المعادن النادرة كشكل من أشكال المال، فكلما زادت الكمية التي أحضرها التجار الرحالة ازدهر اقتصاد المدينة.

تعلمنا الأيام الأولى للمقايضة خلال العصر الفينيقي ما يلي: لا يمكنك المقايضة إلا مقابل سلعة يحتاجها الطرف الآخر. احتاج المصريون إلى خشب الأرز الصلب من لبنان، وقد خلق هذا الطلب قيمةً للأرز في المنظور الفينيقي الذي يتجاوز مجرد مورد بناء. أصبحت شجرة الأرز سلعةً يمكن تداولها مقابل سلعةٍ أخرى زادت من ثروة الفينيقيين. عرف أهالي جبيل ذلك، فقد عرفوا أن تفرد أشجارهم وعدم توفرها في الجهة المصرية هو ما جعلها سلعة مقايضة مناسبة. من أجل الحفاظ على هذه القيمة، كان عليهم أن يفعلوا شيئًا حيال ذلك. في النهاية، لم يكن المصريون بحاجة إلا إلى كمية معينة من خشب الأرز. نظرًا لكون الفينيقيون مسافرين بحريين على نطاق واسع، فقد طوروا مهارةً فريدةً في بناء القوارب، بالطبع باستخدام خشب الأرز اللبناني، وقرروا جلب هذه المهارة إلى التجارة المصرية؛ احتاج المصريون إلى قوارب تجارية صغيرة لنقل البضائع على نهر النيل الذي يربط بين الجميع المدن المصرية معًا. ومَن غير الفينيقيين الذين يسافرون بسهولة ليس عبر النيل، بل في البحر الأبيض المتوسط ​​الضخم، يمكن أن يكون في متناول اليد لصنع تلك القوارب المحددة لهم. انتهز الفينيقيون الفرصة، وبعد تصدير خشب الأرز صنعوا تلك القوارب على ساحل الدلتا، وبالتالي حافظوا على العلاقات التجارية حية؛ بفضل مهاراتهم الفريدة، أنشأ الفينيقيون سلعة مقايضة فريدة أخرى.

استمر هذا الأمر لعدة آلاف من السنين، وكان على وشك الانهيار عندما تولى الملك المصري ساحورع العرش عام 2847 قبل الميلاد. كان ساحورع يتطلع إلى القيام بدورٍ سلطويًا أكثر في الحكم، لذلك قرر المضي قدمًا في تعلم كيفية بناء القوارب البحرية. رغم ذلك، فإن إحدى المشكلات، هي أنه لم يكن لدى المصريين خشب أرز، وكانوا قادرين فقط على صناعة القوارب باستخدام خشب الأكاسيا، والذي كان بالطبع أدنى بكثير من منافسه في الشرق، وإضافةً إلى ذلك، لم تسمح مهارات المصريين لهم بصناعة قوارب يمكنها أن تسير في البحر الأبيض المتوسط ​​كما فعل الفينيقيون بشكل مريح لآلاف السنين قبلهم. خلص الملك ساحورع إلى أن بناء هذه القوارب على المستوى المحلي سيكون مكلفًا للغاية وأقل كفاءةً، ولحسن حظ الفينيقيين، فإن هذه المقايضة والعلاقة التجارية ستظل قائمةً لسنواتٍ عديدةٍ قادمة.

كانت أشجار الأرز نادرة جدًا، ولم توجَد إلا في هذا الموقع المأهول في جبيل، وكانت القدرة على قطعها ونقلها من الجبال شاعقة الارتفاع إلى الساحل مهارةً أخرى أتقنها الفينيقيون، إذ كانوا يقطعون الأشجار من قمة جبل جاج، وينقلونها في النهر على طول الطريق إلى الساحل. ومع ذلك، لم يعتمد سكان جبيل على الطلب على الأخشاب فحسب، بل طوروا أيضًا مهاراتهم في البناء والهندسة المعمارية لإضافة قيمة أخرى إلى مواردهم في المقايضة.

تخيل الآن سيناريو بأن غزا المصريون باستخدام جيشهم القوي نسبيًا جبيل، وصعدوا إلى الجبال، وصادروا ما يحلو لهم من خشب الأرز. كان هذا سيشكل نهايةً لأعمال الفينيقيين في الأرز، وستنخفض قيمة المقايضة لخشب الأرز إلى الصفر، وسيعود الخشب لاستخدامه كغرضه الأساسي. كانت المقايضة هي الطريقة الوحيدة للقيام بالتجارة الدولية، ولكن التجارة الدولية كانت إلى حدٍّ ما خاصيةً فينيقيةً في ذلك الوقت. خلال ذلك الوقت، حدثت معظم التجارة على المستوى المحلي؛ لذلك سنناقش في هذا القسم ما هي البضائع التي استُخدِمت كشكل من أشكال المال محليًا في المدن الفينيقية.

النقود الفينيقية

كما ذكرنا سابقًا، في المراحل الأولى من أيام الفينيقيين، كانت المقايضة تستخدم أيضًا وسيلةً للتجارة. عملت المدن الصغيرة كشركة واحدة تتاجر مع الشركات الأخرى، إذ تبادل السلع التي كانت فائضة لديهم ويحتاجها الطرف الآخر، ولكن نمت هذه المدن، وأصبح الناس أكثر تخصصًا في وظائفهم، وظهرت صناعات جديدة أكثر تطورًا وتنوعًا، فلم تعد المقايضة فعالة. هذا هو المكان الذي أصبحت فيه الحاجة إلى وحدة حساب واضحةً للغاية. كانت الفضة والفحم والنحاس والمجوهرات الأجنبية من السلع التي استخدمها الفينيقيون كنقود، ومع ذلك، يشير العديد من علماء الآثار إلى أن الفضة كانت السلعة الأكثر استخدامًا كوسيلة للتبادل. عُثِر على العديد من الكنوز في المعابد الفينيقية تتكون من الفضة بشكلٍ أساسي. في الأيام الأولى لاستخدام هذه السلع كشكل من أشكال المال، كانت قيمتها تُستخدم عادةً من خلال وزن الكمية والدفع وفقًا لذلك، إذ لم توجد أي عملات معدنية محددة تعطي تفاصيل حول قيمة ووزن الفضة المملوكة أو غيرها من السلع المستخدمة كأحد أشكال النقود. كانت مشكلة هذا النظام بالنسبة للفينيقيين هي عدم توفر مثل هذه المعادن النادرة في أرضهم، وكان هذا أحد الأسباب التي جعلت الفينيقيين تجارًا رحّالين يتاجرون بالموارد غير النادرة (مثل خشب الأرز) مقابل المعادن النادرة مثل الفضة. لذلك، كلما نجحت تجارتهم الدولية، زادت قوتهم الشرائية المحلية. المثير للاهتمام في اعتماد الفضة هو وجود معادن نادرة أخرى مثل النحاس ضمن الأرض الفينيقية. يعود تاريخ أول عملة فينيقية مكتشفة إلى عام 450 قبل الميلاد في مدينة صور، وهي عملة فضية، ولا توجد بيانات محددة حول وزن هذه العملة. كانت أثقل عملة فينيقية مكتشفة هي ديشيكيل فضي يزن 8.9 جرامًا، ويعود إلى عام 338 قبل الميلاد أيضًا في صور.

تخلى الفينيقيون عن المقايضة واعتمدوا وسيلة تبادل واحدة كانت الفضة في معظمها. يمكن فهم عدم فعالية نظام المقايضة على النحو التالي: المقايضة عملية فقط على المقاييس الصغيرة، أي عندما كان الاقتصاد الفينيقي صغيرًا، وكانت المقايضة تحدث فقط في القرى الصغيرة بين السلع المشتركة لأغراض البقاء على سبيل المثال الطعام، لكن مع نمو الفينيقيون إلى حضارة أكبر وانتشار العديد من المدن الكبرى على البحر الأبيض المتوسط​ بحيث تقدم كل مدينة سلعة متخصصة، واكتساب سكان كل مدينة استقلاليةً أكبر بشكل فردي، واحتياج الفينيقيين إلى التجارة مع الحضارات الأخرى التي لديها أكثر بكثير لتقدمه، والذي كان غريبًا تمامًا عنهم، نشأت مشكلة مصادفة الرغبات. غالبًا ما كان ما أرادوا شراءه من إنتاج شخص لا يريد ما يريد ما يبيعونه. لم يكن بمقدور منتِج زيت الزيتون الفينيقي البيع إلا لمن يحتاجون إلى زيت الزيتون، ولم يكن من يحتاجون إلى زيت الزيتون ينتجون كل السلع الأخرى التي يحتاجها منتِج زيت الزيتون. يمكن تقسيم مشكلة مصادفة الرغبات إلى ثلاث مصادفات فرعية: أولًا، مصادفة الحجم، ما يريد القرويون شراءه لا يساوي دائمًا ما يريدون بيعه. تخيل أنك تريد شراء زيت زيتون مقابل قارب فينيقي. سيتعين عندئذ على مالك القارب أن يأخذ كل زيت الزيتون غير الضروري ليعادله بقيمة قارب خشب الأرز. ثانيًا، هناك نقص في المصادفة في الأطر الزمنية؛ قد يكون لما تريد بيعه تاريخ انتهاء صلاحية قصير الأجل، في حين قد تكون السلعة التي تريد شراءها دائمة على المدى الطويل. سيتعين على القروي الفينيقي تجميع كميةً كبيرةً من الأسماك لاستبدالها بمنزل، وسوف تتعفن الأسماك قبل إتمام الصفقة. ثالثًا، هناك مشكلة الموقع، فلا يمكن أن يكون من المستحيل المتاجرة بسلعة لا يمكن نقلها إلى موقع المشتري (على سبيل المثال منزل أو أرض).

خلقت هذه المشاكل حاجة الفينيقيين إلى وسيلة للتبادل. من المهم ملاحظة أن الفينيقيين مثل العديد من الحضارات التاريخية القديمة أجروا تبادلات غير مباشرة. ومع ذلك، فمع نمو الاقتصاد، فشل هذا النظام في الحفاظ على فعاليته، كما أصبح من غير العملي البحث باستمرار عن سلعة يريدها الطرف الآخر وفي نفس الوقت البحث عن طرف يحتاج إلى السلعة اليي تقدمها. بعد المقايضة والتبادل غير المباشر، كان لا بد من ولادة وسيلة جديدة للتبادل، وكان الفينيقيون يعرفون بالضبط ما الذي يصنع من وسيلة التبادل شكلاً مثاليًا للمال. يجب ألّا تكون النقود سلعةً استهلاكيةً ولا سلعةً استثمارية، ولكن الغرض الوحيد منها هو مبادلتها بسلع أخرى. يوضح كارل مينغر مؤسس المدرسة النمساوية والتحليل الهامشي، أن قابلية البيع هي الخاصية الأولى التي تحقق أرباحًا جيدة. تعني قابلية البيع السهولة التي يمكن بها بيع سلعة في السوق بأقل خسارة في سعرها. عبر تاريخ البشرية، وبشكل أكثر تحديدًا عبر التاريخ الفينيقي، استُخدِمت العديد من السلع كأحد أشكال المال. كما ورد سابقًا، استخدم الفينيقيون الفضة والنحاس والفحم وما إلى ذلك كنقود. كان اتخاذ هذه القرارات واستخدام هذه السلع باعتبارها أموالًا يعتمد على اختياراتٍ ذاتية محضة. في وقت محدد وأثناء عملية تجارية محددة، كانت الفضة على سبيل المثال هي الشكل الأكثر منطقيةً للنقود. الفضة هي شكل معقول من النقود بالطبع، يتفق معظمنا على أن التفاح ليس كذلك، ببساطة لأن التفاح لا يملك خاصية قابلية البيع المذكورة سابقًا، إذ لا يمكن بيع التفاح من خلال الموازين، ولا يمكن تقسيمه إلى كميات صغيرة أو حتى تجميعه بكميات كبيرة. لا يُباع في حالات المسافات البعيدة، ولا يمكن نقله بين المدن، والأهم من ذلك بالنسبة للفينيقيين، بين مدن البحر الأبيض المتوسط. العنصر الثالث، وهو قابلية البيع عبر الزمن، هو أكبر مشكلة للتفاح وأي سلعة أخرى مماثلة يمكن استخدامها بشكل شخصي كشكل من أشكال المال. إذا استُخدِم التفاح كوسيلة للتبادلات المتوسطة​​، فيجب استبداله بسرعة وإلا فسوف يتلف. لذلك، لا يمكن للتفاح أن يحتفظ بقيمة للمستقبل، ولن يتخلى أحد عن مورد قيم مقابل سلعة ستكون محدودة على المدى القصير.

كان تبني اعتبار سلعة معينة مالًا ولا يزال مسألةً شخصيةً، فلا يوجد مال صحيح أو مال خاطئ، ولكن في الواقع هناك عواقب لذلك، إذ من الممكن تخزين الثروة بالفضة، ولكن تخزين الثروة في التفاح ليس ممكنًا.

كانت العملات الفضية هي أفضل شكل من أشكال المال بالنسبة للفينيقيين، وكانت الفضة كسلعة هي الأكثر ندرةً على الأرض، وكان من السهل إلى حدٍّ ما نقلها داخليًا وعلى متن قواربهم، وقد قبلها جيرانهم على نطاق واسع عند تجارتهم الخارجية، وهي ما يدفعه عملاؤهم عادةً، على سبيل المثال المصريون. كانت الفضة قابلةً للبيع عبر المقاييس، وحُدِّدت قيمة الدفع بالفضة بوزن الفضة، ولكن كان ذلك قبل إنشاء العملات المعدنية. جعلت العملات المعدنية من العملي بالنسبة للفينيقيين زيادة ثروتهم ووضع أرقام على مدفوعاتهم دون المرور بعملية الوزن. كانت الفضة قابلة للبيع عبر المسافات البعيدة، وكان نقل العملات الفضية من موقع إلى آخر أمرًا سهلاً إلى حدٍّ ما، كما لم تكن قابلية بيعها عبر المسافات البعيدة مشكلةً أبدًا بسبب كميتها الصغيرة والقيّمة. أخيرًا، كانت الفضة قابلةً للبيع عبر الزمن، وكان خطر تآكل الفضة أو تعفنها شبه معدوم، ما جعل من الممكن الاحتفاظ بالفضة كمخزن للقيمة، وهي الوظيفة الثانية للمال، والتي سنناقشها في الجزء القادم من الموضوع.

مخزن القيمة

على الرغم من أن السلامة الفيزيائية (قابلية البيع) لسلعةٍ ما أمرٌ حيويٌّ لقيمتها، فهي ليست الشرط الوحيد الذي يجب أخذه في الاعتبار. كان من الممكن أن تفقد السلعة قيمتها إذا زاد عرضها بشكل كبير بطريقة غير مسبوقة. كما ورد سابقًا، على الرغم من استخدام العديد من السلع كشكل من أشكال المال خلال العصر الفينيقي، استمرت الفضة أكثر من غيرها، بل أصبحت الشكل الوحيد للنقود التي يستخدمها الفينيقيون. ببساطة لأنه لا يمكن التلاعب بعرض الفضة. لم تُستخرَج الفضة من الأراضي الفينيقية، بل استوردت في الغالب من البلدان التي أقام الفينيقيون معها علاقات تجارية. أدى جلب هذا المعدن الثمين إلى الأراضي الفينيقية إلى القضاء على قيمة جميع المعادن الثمينة الأخرى التي يمكن زيادة المعروض منها بسهولة مقارنةً بتوريد الفضة الذي يعتمد فقط على التجارة الدولية. أدرك الفينيقيون أن المرء يحتاج فقط إلى كميةٍ معينةٍ من سلعةٍ معينةٍ تناسب معايير المال لبناء اقتصاد ونظام تجاري. على الرغم من سهولة الوصول إلى النحاس في الأراضي الفينيقية، فمع وصول الفضة، وهي معدن ثمين نادر، لم يعد أحد يرغب في استخدام النحاس بنفس القدر. لم يؤدِ استخراج المزيد من النحاس إلى زيادة القوة الشرائية للفينيقيين، بل على العكس من ذلك، فإن التجار سيقيمّون النحاس بقيمة أقل من السابق، وبالتالي يزيدون أسعار السلع التي يبيعونها مقابل النحاس. في المقابل، فعند استخدام الفضة سيخفض التجار أسعارهم للحصول على هذه السلعة النادرة وتخزين القيمة بشكل فعال من خلال الاحتفاظ بها.

“إن قدرة أحد أشكال المال على الاحتفاظ بالقيمة بشكل أكثر فعاليةً من منافسيه الآخرين تجعله أصعب بشكل افتراضي، وبالتالي مطلوبًا أكثر…”

هذه هي الطريقة التي يتفوق بها المال الأصعب على المال الأسهل، إن قدرة أحد أشكال المال على الاحتفاظ بالقيمة بشكل أكثر فعاليةً من منافسه الآخر جعلته أصعب بشكل افتراضي، وبالتالي كان مطلوبًا أكثر لدى الفينيقيين، وكل حضارة أخرى قديمة أو حديثة.

يمكن فهم صلابة المال من خلال فهم الكميتين المرتبطتين بتوريد سلعة: الأولى هي المخزون المتوفر، وهو كل ما أُنتِج في الماضي مطروحًا منه كل ما استُهلِك أو تلف. كانت الفضة بالنسبة للفينيقيين ذات قيمة مخزون منخفضة مقارنةً بالمعادن والسلع النادرة الأخرى، فقد كانت موجودة بكمية أقل بكثير من أي معدن نادر آخر على الأرض الفينيقية. الكمية الثانية هي التدفق، وهو الإنتاج الإضافي الذي سيُنتَج في الفترة القادمة. استورِدت الفضة بشكل رئيسي من دول أجنبية وأهمها مصر؛ على العكس من ذلك، لم يكن النحاس، المنافس الرئيسي للفضة، مستوردًا فحسب، بل أشار علماء الآثار أيضًا إلى استخراجه من جزيرة قبرص التي كانت مستعمرةً فينيقيةً في ذلك الوقت. من أجل معرفة أي شكل من أشكال النقود أصعب من الآخر، يجب النظر إلى نسبة المخزون إلى التدفق. إن وجود نسبة منخفضة من المخزون إلى التدفق يعني أنه يمكن زيادة العرض الحالي لهذه السلعة بشكل كبير إذا بدأ السكان في استخدامها كمخزن للقيمة. لذلك، فإن السلعة ذات نسبة المخزون إلى التدفق المنخفضة ليست مخزنًا مناسبًا للقيمة إذا اختيرت لهذه الوظيفة المحددة، إذ تُعتبر البضائع ذات نسبة المخزون إلى التدفق العالية أكثر مثاليةً للنظر فيها لتخزين القيمة.

بطبيعة الحال، عندما يختار الناس سلعةً ذات نسبة عالية من المخزون إلى التدفق لتخزين القيمة، سيزداد الطلب على هذه السلعة، وبالتالي سترتفع قيمة تلك السلعة، وسيعطي هذا حوافز لمنتجي تلك السلعة لإنتاج المزيد منها. نظرًا لأن تدفق هذه السلعة صغير مقارنةً بكميتها الحالية، وبالتالي فهي ذات نسبة عالية من المخزون إلى التدفق، حتى لو أُنتِجت بكميات كبيرة، فلن يؤدي ذلك إلى الإخلال بهذه القيمة وانخفاضها. عندما يختار الناس سلعةً ذات نسبة منخفضة من المخزون إلى التدفق لاعتبارها قيمةً للتخزين، يمكن لمنتجي هذه السلعة بسهولة إغراق السوق بها، ما يؤدي إلى انخفاض في قيمة هذه السلعة المحددة. بالنسبة للفينيقيين، لماذا كانت الفضة أفضل قيمةً من الأسماك؟ (بالنظر إلى أن الأسماك لها السمات المادية “قابلية البيع” المذكورة أعلاه لاستخدامها كأموال في المقام الأول) بسبب مفهوم نسبة المخزون إلى التدفق. كان اصطياد الأسماك للفينيقيين مهمةً بسيطةً للغاية، إذ كان الصيادون يذهبون ببساطة إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ويصطادون أكبر قدرٍ من الأسماك كما يريدون، وبإمكانخم حتى أن يتجاوزوا أغراض الاستهلاك ويغرقوا السوق بالأسماك إذا كانت ستُستخدَم كمخزن ذي قيمة. لا يمكن قول الشيء نفسه عن الفضة لمجرد أن الفضة قد استورِدت عن طريق التجارة مع المصريين، والتجارة مع المصريين تعني قطع شجر الأرز وبناء القوارب والمعابد. لم تكن عمليات استيراد الفضة (التدفق) سهلةً على الإطلاق، وهو ما جعل الفضة مالًا صعبًا من المنظور الفينيقي. علاوةً على ذلك، يمكن أن تساعدنا نسبة المخزون إلى التدفق في فهم كيف تغلبت الفضة على النحاس كأقوى نقود وأكثرها استخدامًا خلال العصر الفينيقي. استند تدفق الفضة بشكل بحت على نجاح التجارة الدولية، وبشكل أكثر دقةً مع المصريين، ويمكن قول الشيء نفسه عن النحاس في المراحل الأولى من الإمبراطورية الفينيقية. عندما بدأ استخراج النحاس من الأراضي الفينيقية، انخفضت نسبة المخزون إلى التدفق من النحاس، ما أدى إلى تناقص قيمة النحاس مقارنةً بالفضة.

لقد فهم الفينيقيون الأموال الصعبة وازدهروا طوال فترة وجودهم ليضعوا أيديهم على أصعب أموال ممكنة. بعد نحو 8000 سنة ما زلنا ندرس عن الفينيقيين ونحن في منحنى تعليمي إيجابي مستمر حول هذه الحضارة الغنية التي بدأت من جبيل واستعمرت ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​وصولًا إلى غرب شمال إفريقيا حيث بنى الفينيقيون مدينة قرطاج الكبرى. عرفت هذه الحضارة المبكرة بالضبط كيفية الحفاظ على قيمة عملهم الشاق، وفهم كيفية جعل أفضل أموال ممكنةً هو ما مكّنهم من القيام بذلك. لم يشارك الفينيقيون (باستثناء قرطاج) مطلقًا في أي حروب، ولم يمتلكوا جيشًا حتى. تاريخيًا موِّلت معظم الحروب باستخدام أموالٍ أقل سلامة لم يضيع الفينيقيون الوقت في الاحتفاظ بها أو تخزينها.

العودة إلى الوراء في التاريخ القديم تجعل المرء يتساءل عن النظام النقدي الحالي والسبب وراء إنشائه في المقام الأول. من يستفيد؟ يمكنني أن أخبرك على وجه اليقين بمن لا يستفيد منه، وهو من يحتفظ بالنقد الحكومي fiat money.

كتب توماس سمعان المقال الأصلي، ونشره على مدونته الخاصة. وهم مهتم بالبيتكوين لبناني.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جون ستوسيل

من هو جون ستوسيل؟

ثلاث دول جرّبت الاشتراكية ثم نبذتها