روز وايلدر لين
in ,

من هي روز وايلدر لين؟

وُلدت روز وايلدر لين Rose Wilder Lane في 5 كانون الأول/ديسمبر 1886، قرب دي سميت De Smet في إقليم داكوتا Dakota؛ كان والداها ألمانزو وايلدر Almanzo Wilder ولورا إنغالس Laura Ingalls مزارعَين فقيرَين، أنهكمهما الجفاف والعواصف الثلجية والكوارث الأخرى التي دمرت المحاصيل؛ عاشت الأسرة في كوخ بدون نوافذ لعدة سنوات، وفاتهم الكثير من الوجبات. غالبًا ما كانت ابنتهما، التي سُمِّيت على اسم الورود البرية، حافية القدمين.

عندما كانت لين في سن الرابعة من عمرها، تركت أسرتها داكوتا وانتقلت إلى مانسفيلد Mansfield بولاية ميسوري Missouri، التي عرضت آفاقًا زراعية أفضل. انتقلت  للسكن في مبنًى من الطوب الأحمر مكوّن من أربع غرف، وكان يحتوي على رفَّين من الكتب، واكتشفت روائع تشارلز ديكنز Charles Dickens، وجين أوستن Jane Austen، وإدوارد جيبون Edward Gibbon. أصبحت قاعدتها الأساسية قراءة سلسلة قُرّاء مغوفي McGuffey Readers الأدبية الشهيرة، التي جمعها ويليام هولمز مغوفي William Holmes McGuffey رئيس جامعة سينسيناتي Cincinnati، الذي نقل دروسًا أخلاقيةً وهو يدرّس أساسيات القراءة وينير العقول الشابة للعديد من المؤلفين العظماء في الحضارة الغربية.

روز وايلدر لين
روز وايلدر لين

“لم نكن نحب الانضباط، ولذلك فقد عانينا في ضبط أنفسنا، رأينا أمورًا كثيرة وفرصًا عدةً أردناها بشدةٍ لم نتمكن من دفع ثمنها، لذلك لم نحصل عليها، أو لم نحصل عليها إلا بعد جهدٍ هائلٍ وإنكارٍ للذات، لأن تحمل الديون كان أصعب بكثير من الحرمان. كنا أمينين، ليس لأن الطبيعة البشرية الخاطئة أرادت أن نكون كذلك، بل لأن عواقب عدم الأمانة كانت مؤلمةً للغاية. كان من الواضح أنه إذا لم يكن تعهدك جيدًا مثل قوة علاقتك، فإن علاقاتك لم تكن جيدةً وكنتَ أنتَ عديم القيمة؛ علمنا أنه من المستحيل الحصول على أي شيءٍ مقابل لا شيء”.

روز وايلدر لين

تركت لين المدرسة بعد الصف التاسع، وقررت أنها سترى العالم خارج ريف ميسوري بطريقةٍ ما، فاستقلت قطارًا إلى مدينة كانساس سيتي، وعملت بوظيفة كاتبة تلغراف في ويسترن يونيون Western Union في النوبة الليلية؛ لقد أمضت معظم وقت فراغها في القراءة، ربما مدة ثلاث ساعات في اليوم. بحلول عام 1908، انتقلت إلى سان فرانسيسكو San Francisco للحصول على وظيفة ويسترن يونيون أخرى، وارتبطت بعلاقةٍ رومانسيةٍ مع بائع الإعلانات جيليت لين، وتزوجا في آذار/مارس 1909، أصبحت حاملًا لكنها إما تعرضت للإجهاض أو ولادة جنينٍ ميت، ولم تتمكن من الحمل مرةً أخرى بعد ذلك.

بحلول عام 1915، انفصل الزوجان، لكن وبسبب اتصالات جيليت الصحفية، وجدت لين بداية عملها كصحفية، في صحيفة “نشرة سان فرانسيسكو” San Francisco Bulletin، وهي صحيفة راديكالية، وقد بدأت في كتابة عمود نسائي، ثم انتقلت لكتابة سلسلةٍ من اللمحات الشخصية اليومية بحدود 1500 كلمة، وكتبت رواية سيرتها الذاتية نُشِرت على شكل سلسلة في مجلة الغروب Sunset magazine.

في آذار/مارس 1920، دعتها حركة الصليب الأحمر للسفر في جميع أنحاء أوروبا والإبلاغ عن جهود الإغاثة، حتى يعرف المانحون المحتملون – الذين تعتمد المنظمة على دعمهم – الأعمال الحسنة للمنظمة. وانطلاقًا من باريس، سافرت إلى فيينا، وبرلين، وبراغ، ووارسو، وبودابست، وروما، وسيراييفو، ودوبروفنيك، وتيرانا، وتريست، وأثينا، والقاهرة، ودمشق، وبغداد، والقسطنطينية. تخيلت لين أن أوروبا كانت الأمل العظيم للحضارة، ولكن بدلًا من ذلك، فقد واجهت قطاع الطرق، ووجدت فسادًا بيروقراطيًا، وعانت من تضخمٍ هائلٍ، وشهدت أهوال الحرب الأهلية والظلال الداكنة من الاستبداد الذي لا يرحم.

زارت لين الاتحاد السوفيتي بعد أربع سنوات من سيطرة البلشفية Bolsheviks على السلطة، مثلها مثل الكثير من الناس، افتتنت بالرؤية الشيوعية لحياةٍ أفضل. التقت بالفلاحين الذين توقعت أن يكونوا فرحين بالشيوعية. لكن، كما ذكرَت لاحقًا: “أذهلني مضيفي بالقوة التي قال بها إنه لا يحب الحكومة الجديدة، كانت شكواه هي تدخل الحكومة في شؤون القرية، وقد احتج على البيروقراطية المتنامية التي كانت تأخذ المزيد والمزيد من الرجال من العمل المنتج. لقد تنبأ بالفوضى والمعاناة من مركزية القوة الاقتصادية في موسكو. لقد خرجتُ من الاتحاد السوفيتي ولم أعد شيوعيةً، لأنني آمنتُ بالحرية الشخصية”.

ازدهرت مسيرتها المهنية بعد عودتها إلى أمريكا عندما كتبت في كلٍّ من المجلات والصحف: American Mercury، وCountry Gentleman، وGood Housekeeping، وHarper’s، وLadies’s Home Journal، وMcCall’s، وSaturday Evening Post، والكثير غيرها، كما كتبت رواياتٍ عن حياة الرواد. مثّلت الممثلة الشهيرة هيلين هايز Helen Hayes إحدى روايات لين على الراديو، وهي بعنوان: “دع الأعصار يزأر Let Hurricane Roar”. خلال فترة الكساد الكبير في عام 1931، عانت لين من الإفلاس المالي، أعلنت: “أنا في الخامسة والأربعين، ومدينة بـ8000 دولار، وامتلك في البنك 502.70 دولار، ولم أحقق أيًّا ممّا أردته”.

في عام 1936، كتبت لين مقالةً من 18,000 كلمة عن الحرية بعنوان “Credo”، لصحيفة “بريد مساء السبت Saturday Evening Post”. بعد ثلاث سنوات، ساعد ليونارد ريد Leonard Read، المدير العام لغرفة تجارة لوس أنجلوس Los Angeles Chamber of Commerce، في تأسيس شركة نشر صغيرة تُسمّى Pamphleteers، والتي أعادت نشر مقال لين بعنوان “أعطني الحرية Give Me Liberty”.

أوضحت لين في مقالها كيف مكّنت المنافسةُ الحرة من ازدهار الحضارة على الرغم من وجود الأشرار الأوغاد، ومما جاء في المقال: “ليس لديّ أوهامٌ بشأن الرواد. بشكلٍ عام كان مثيرو الشغب من الطبقات الدنيا، وكانت أوروبا سعيدةً بالتخلص منهم، ولم يكونوا من ذوي الذكاء أو الثقافة المرتفعَين، وكانت أمنيتهم الأساسية هي فعل ما يحلو لهم، ورغم ذلك فالأميركيون اليوم هم ألطف الناس على وجه الأرض، فقط الأميركيون يقدمّون الثروة للعالم، ويخففون المعاناة في أماكنَ بعيدةٍ مثل أرمينيا واليابان، نشأت مثل هذه القيم الإنسانية بسبب الفردانية، في الوقت الذي كانت الفردانية فيه تخلق هذه الأمة”.

كيف اكتشفت روز وايلدر لين الحرية؟

في عام 1942، طلب محرر في شركة جون داي John Day Company من لين تأليف كتابٍ عن الحرية، بدأت العمل في منزلٍ متنقلٍ في مدينة ماكلاين McAllen، في ولاية تكساس، خلال جولةٍ في الجنوب الغربي، وكتبت مسودتَين على الأقل في منزلها في دانبري Danbury، في ولاية كونيتيكت Connecticut، ونُشر كتابها في كانون الثاني/يناير عام 1943 بعنوان “اكتشاف الحرية، كفاح الإنسان ضد السلطة The Discovery of Freedom, Man’s Struggle Against Authority”.

في الوقت الذي ركز فيه معظم المؤرخين على الحُكّام، أرّخت لين صراع الناس العاديين الملحمي الذي استمر 6000 عام والذين تحدوا الحُكّام من أجل تنشئة العائلات، وإنتاج الغذاء، وإقامة الصناعات، والمشاركة في التجارة، وتحسين حياة الإنسان بطرق لا حصر لها. تغنَّت بالثورة الأميركية American Revolution التي ساعدت على تأمين الحرية، وحرّرت طاقةً هائلةً في سبيل تقدم البشرية.

هاجمت لين عددًا كبيرًا من التأثيرات الجماعية بما في ذلك المدارس الحكومية وما يُعرف باللوائح التنظيمية الاقتصادية “التقدمية”، من خلال كتاباتها النثرية المؤثرة والميلودرامية أحيانًا (وهي كتابات تعتمد على المبالغة في العواطف)، كما سخرت من الادعاءات التي تدّعي أنه بإمكان البيروقراطيين أن يقدّموا للأفراد ما هو أفضل مما يمكن للأفراد أن يفعلوه لأنفسهم؛ لقد أزالت الكآبة بثقتها العالية بنفسها، وأعلنت أن: “خمسة أجيالٍ من الأمريكيين قد قادوا الثورة، وحان الوقت الذي سيتمكّن فيه الأمريكيون من تحرير هذا العالم بأسره”.

أثنى الناشط الفرداني ألبيرت جاي نوك Albert Jay Nock على كتاب لين، لكنها لم تكن راضيةً عنه، ورفضت السماح بإعادة طباعته، ولم تتمكن من إكمال نسخةٍ أخرى؛ طُبِعت ألف نسخة فقط من الكتاب أثناء حياتها.

ورغم ذلك، كان لكتاب “اكتشاف الحرية” تأثيرٌ كبيرٌ، حيث انتشر باعتباره كلاسيكيًا سريًا، كما ساهم في إلهام إطلاق العديد من المنظمات لتعزيز الحرية – من بينها مؤسسة التعليم الاقتصادي لليونارد ريد Leonard Read’s Foundation for Economic Education، ومعهد فلويد أرثر هاربر للدراسات الإنسانية F.A. Harper’s Institute for Humane Studies، ومدرسة روبرت إم لوفيفر للحرية Robert M. Lefevre’s Freedom School؛ استعان ليونارد ريد بهنري جريدي وايفر Henry Grady Weaver، وهو باحثٌ في شؤون المستهلكين في جنرال موتورز General Motors، من أجل تهيئة الكتاب لاعتباره “العامل الرئيسي للتقدم البشري The Mainspring of Human Progress”، ووزعت مؤسسة FEE مئات آلاف النسخ منه.

سلسلة كتب المنزل الصغير

على الرغم من كون كتاب “اكتشاف الحرية” وثيقةً تأسيسيةً للحركة التحررية (الليبرتارية) الحديثة، ولكن قد يكون للين دعوةً أكبر وراء الكواليس. في عام 1930، أعطتها لورا إينغلس وايلدر Laura Ingalls Wilder مخطوطةً عن حياتها المبكرة بدءًا من ويسكونسن Wisconsin إلى كانساس Kansas وداكوتا Dakota؛ حذفت لين الجزء المتعلق بولاية ويسكونسن، ثم كتبت مسودتين لما تبقى، موضحةً القصة والشخصيات، سمّت هذه المخطوطة المكونة من 100 صفحة مؤقتًا باسم “فتاة من العصور القديمة Pioneer Girl”، وأرسلتها إلى وكيلها الأدبي كارل براندت Carl Brandt. وحوّلت الجزء الخاص بويسكونسن إلى قصةٍ من 20 صفحةً بعنوان: “عندما كانت الجدة طفلة صغيرة When Grandma Was a Little Girl”، وهي نصٌ محتملٌ لكتابٍ مصوّرٍ للأطفال، وقد اقترح أحد الناشرين توسيع القصة لتصبح كتابًا مؤلفًا من 25,000 كلمةٍ موجهًا للقرّاء الشباب.

أخبرت لين والدتها بذلك، وبما أنّه أُعيدت كتابة المخطوطة الأصلية بشكلٍ لا يمكن التعرف عليه، فقد أوضحت لها: “إنها قصص والدكِ مأخوذةٌ من مخطوطة “فتاة رائدة” الطويلة، ومدمجةٌ معًا، كما سترين”. حددت لين المواد المطلوب إضافتها، وقالت: “إذا وجدتِ أنه من الأسهل الكتابة بضمير المتكلم، فاستخدميه في الكتابة، وسأغيره لاحقًا إلى صيغة الغائب”. طمأنت لين والدتها بأن التعاون سيظل سرًا عائليًا: “لم أقل شيئًا عن كتابة المخطوطة بواسطة آلتي الكاتبة”. بحلول 27 أيار/مايو 1931، أصبح كتاب “اليافع juvenile” جاهزًا، وأرسلته لين إلى الناشرين. أصدرته دار هاربر للنشر Harper Brothers في عام 1932 بعنوان “المنزل الصغير في الغابة الكبيرة Little House in the Big Woods”، وأصبح قصةً أميركيةً محبوبةً.

في كانون الثاني/يناير 1933، أعطت وايلدر لين “الصبي المزارع Farmer Boy”، وهي مخطوطة عن ذكريات طفولة والدها ألمانزو Almanzo، وقد رفضها الناشرون، وقد يكون ذلك بسبب كونها سردًا لمهارات المزرعة بشكلٍ أساسيٍّ. أمضت لين شهرًا في تحويلها إلى قصةٍ من لحمٍ ودمٍ، واشترتها دار هاربر للنشر. في العام التالي، أعطت وايلدر لين مخطوطةً عن حياتها في كانساس، وأمضت خمسة أسابيع في إعادة صياغتها بعنوان “المنزل الصغير في البراري Little House on the Prairie”.

بدأت الكتب في تحقيق دخل كبير لعائلة ويلدر، وساعد هذا لين التي كانت تعمل على مساعدتهم في توفير أمنهم المالي. وسّعت وايلدر جزءًا من “فتاة من العصور القديمة” إلى مخطوطةٍ أخرى، وأعطتها إلى لين في صيف عام 1936، وقالت لها: “لقد كتبتُ لك أسباب القصة بهذا الشكل، لكنكِ تعلمين أن حكمك أفضل من حكمي، ولذلك فإن ما تحكمين به هو الحكم الصائب”؛ أمضت لين شهرَين في إعادة كتابتها وصياغة خطاب لوكيلهم الأدبي يطلب فيها شروطًا أفضل، وأصبحت هذه المخطوطة كتاب “على ضفاف جدول البرقوق On the Banks of Plum Creek”. قضت لين معظم عام 1939 في إعادة كتابة مخطوطة “بالقرب من شواطئ بحيرة سيلفر By the Shores of Silver Lake”، وكتبت في عام 1940 “الشتاء الطويل The Long Winter”، وفي عام 1941 “البلدة الصغيرة في البراري Little Town on the Prairie”، وفي عام 1942 “هذه السنوات الذهبية السعيدة These Happy Golden Years”.

خلال الكتب اللاحقة على وجه الخصوص، صّورت لين الشابة لورا إينغلس وايلدر باعتبارها بطلةً تحرريةً. على سبيل المثال، وصفت أفكار والدتها في “المنزل الصغير في البراري” بهذه الكلمات: “الأمريكيون أحرار؛ ما يعني أن عليهم الامتثال لضمائرهم. لا يحكم أيّ ملكٍ أبي Pa؛ عليه أن يحكم نفسه. وفكّرَتْ لماذا عندما سأصبح أكبر سنًا سيتوقف أبي Pa وأمي Ma عن إخباري بما يتوجب القيام به، ولن يوجد أي شخص آخر يملك الحق في إعطائي أوامر، وسيتعين علي أن أجعل نفسي شخصًا جيدًا”.

في عام 1974، بدأت هيئة الإذاعة الوطنية NBC في ملائمة الكتب من أجل “المنزل الصغير في البراري Little House on the Prairie”، وهو مسلسلٌ تلفزيونيٌّ شهيرٌ للغاية استمر تسع سنوات، وتضمن أكثر من 200 حلقة، وتلا ذلك اتفاقية مشاركة تتعهد بعرضها مرارًا وتكرارًا خلال ربع القرن القادم على الأقل؛ كتب مايكل لاندون Michael Landon وأخرج العديد من العروض، ومثّل دور تشارلز إنجلز Charles Ingalls والد لورا.

كانت صدمة لين الأخيرة كتابًا عن أعمال التطريز الأميركية، والذي حولته إلى نشيدٍ من أجل الحرية، وتابعت: “تخبرك أعمال التطريز الأميركية أن الأمريكيين يعيشون في المجتمع الوحيد غير الطبقي. هذه الجمهورية هي الدولة الوحيدة التي لا يوجد فيها تطريز قروي… نساءٌ أميركيات… أهملن الخلفيات، وتخلين عن الحدود والأطر، وجعلن التفاصيل تخلق كل شيء، ووضعن كلّ تفصيلةٍ بمفردها مستقلةً وكاملةً في مساحةٍ لا نهائية”.

تعرف أيضًا على جون ستوسيل عبر المقال التالي.

المصدر.

  • ترجمة: رأفت فياض.
  • مراجعة: محمد مطيع.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المطرقة والمنجل

لماذا يجب معاملة المطرقة والمنجل كالصليب المعقوف تمامًا؟

فلسفة موراي روثبارد للحرية