in

رحلة إلى ما بعد الحداثة

بدأ عصر ما بعد الحداثة، عصر التمرد على المبادىء الكبرى، مرحلة الانتقال من الجامد إلى المائع، نهاية البنية التقليدية، بزوغ التفكيكية والنسبية.

إلا أنّ تعريف المصطلح بحد ذاته يشكل تحديًا صارخًا لإحدى سمات نظرية ما بعد الحداثة مع اللغة. فعادةً ما يُشار إليه على أنه رد الفعل على الثقافة الغربية وما حملته من قيمٍ راكمتها الحداثة، عقب ظروفٍ معقدةٍ مرّ بها المجتمع الغربي من الثورات الصناعية والسياسية والاقتصادية.

وفي نظر البعض ما هو إلا جزءٌ من الحداثة وقد مسّه الجنون، ذاك الجزء الذي يعنيه الإطار بقدْر ما يعنيه المضمون. تمامًا كالسمكة التي تنبّهت فجأةً لوجودها في المحيط، لكنها عالقةٌ في الماء، كما الإنسان العالق بتاريخه ودينه وجنسه وطبقته الاجتماعية…

يقول فرانسوا ليوتار:

“باختصارٍ شديدٍ، أُعرّف ما بعد الحداثة باعتبارها تشككًا موجهًا إلى الادعاءات الكبرى”.

الغموض الإرهابي

وصف جون بارت في مقاله المنشور عام 1967 “أدب الإستهلاك” روايةَ ما بعد الحداثة بأنها روايةٌ تقلّد شكل الرواية، ويكتبها مؤلفٌ يقلّد دور المؤلف.

إلا أنّ هذا التقليد نجح في خلق تشكيكًا حقيقيًا بالواقع، فقد عمدت رواية ما بعد الحداثة على تكسير الواقع بألعابٍ لغويةٍ لا تنتهي، وفتحت أبوابها لمختلف أنواع الحيل في السرد، وزعزعت الثقة باللغة، تلك الثقة التي يكفلها الإله في بعض الأديان، وأوقدت رغبة الذات في الهروب من ذاتها، ومن قمع الواقع.

عندها لن يكون حالك أفضل من حال صوفي أمندسون عندما أدركت في الحقيقة أنها ليست إلا شخصية روائية في رواية والد هيلد، والتي يعدّها كهديةٍ لابنته في عيد ميلادها (رواية عالم صوفي _ جوستاين غاردر).

بدأ رولان بارت سيرته الذاتية (رولان بارت بقلم رولان بارت) بهذه العبارة:

“لا بد من اعتبار هذا الكتاب كله كلامًا على لسان شخصيةٍ في رواية”.

لذا نلاحظ وجود راويَّين، الأول هو رولان بارت الروائي، والثاني هو رولان بارت الشخصية الروائية. إلا أنه ذهب أبعد من ذلك بكثير، حينما قدم مراجعةً نقديةً لسيرته الذاتية، فهو قبل كل ذلك ناقدًا مشهورًا.

أصدر “الكتابة في درجة الصفر” ليعلن موت المؤلف، وتحرير النص من سلطة المؤلف، فوضع اللغة مكان الإله (الكاتب) في فضاء الأبعاد المتعددة، وأجهز على السرد الكلاسيكي. ليلقي على كاهل القارىء المولود حديثًا، مسؤولية امتلاكه المؤهلات اللغوية والأدبية والثقافية بمختلف العلوم الإنسانية والنفسية والاقتصادية حتى يتمكن من تفكيك النص، حتى أصبح النص مقرونًا بمدى اتساع فكر القارىء، فموت الكاتب هو الثمن الذي تتطلبه ولادة القارىء.

ونرى ذلك جليًا عندما قام جون فاولز في نهاية رواية (عشيقة الملازم الفرنسي) بطرح نهايتين مختلفتين على القارىء.

وما لبس أن خرج الكاتب من المشهد، حتى أصبح تفكيك النص مجردًا من المعنى، أو أصبح لا منتهي المعنى فلا فرق.

لأن اللغة تقتصر على تحديد الاختلافات الجلية بين المفاهيم، وتكتفي بالتنحية، ولن تستطيع تقديم الرمز الذي يعبر عن حقيقة المشاعر الإنسانية، لأنها تعرف الفاعل وليس الشخص.

فساهم هذا الإفراط الاصطلاحي بصبغ أعمالهم بالصعوبة والعمق، فكتب الأمريكي جون سيرل:

“وصف لي ميشيل فوكو أسلوب دريدا في إحدى المرات بأنه يتسم بغموضٍ إرهابيٍّ، فالنص مكتوبٌ بأسلوبٍ شديد الغموض إلى حدٍّ يجعلك عاجزًا عن تحديد الموضوع بالضبط (لذا فهو غامضٌ)، وعندما تنتقد ذلك يجيبك دريدا قائلًا: لقد أخطأت فهمي أنت أحمق (لذا فهو إرهابي)”.

وهذه بعض الروايات التي تصنف ما بعد حداثية:

_ كين كيسي، أحدهم طار فوق عش الوقواق.

_سلمان رشدي، أطفال منتصف الليل.

_جون فاولز، عشيقة الملازم الفرنسي.

_إمبراتو إيكو، اسم الوردة.

جنون الفنون في أعمال ما بعد الحداثيين

لعقودٍ طويلةٍ أثرى الفنانون المجتمع الغربي بأعمالٍ في غاية الجمال، أعمال مثل: المفكر،  ودورية الليل، والموناليزا، وخلق آدم والعديد من اللوحات التي تتميز بجماليةٍ وإبداعٍ خاصٍّ.

أنتج فنانون من ليوناردو إلى بيرستادت أعمالًا ألهمت وارتقت بالعالم الغربي.

حققوا هذا من خلال مطالبتهم لأنفسهم بـ:

–       تحقيق أعلى مقاييس التفوق والامتياز.

–       تطوير أعمالهم اعتمادًا على الفنانين العظماء من الجيل السابق.

–       طمحوا لتحقيق أعلى مستوىً ممكنٍ من الجودة.

لكن طرأ تغييرٌ في القرن العشرين، وتغيرت جميع معايير الفن لتصبح عبارةً عن فنٍ مختلفٍ جديدٍ وبشعٍ.

للتمييز يمكننا أن نجد أن الفنان مايكل أنجلو قام بنحت تمثال داوود الشهير من صخرة، بينما متحف لوس أنجلوس للفنون اليوم يعرض صخرةً تزن 340 طنًا باعتبارها فن.

 

كيف لآلاف السنوات من الارتقاء والتميز الفني أن تندثر بهذه الطريقة؟

ابتدأ هذا من نهاية القرن 19، ثارت مجموعةٌ يُطلق عليها مصطلح الانطباعيين ضد الأكاديمية الفرنسية Les Beaux-Arts ومتطلباتها للمعايير الكلاسيكية. فما قامت به هذه المجموعة هي محاولة زرع فكرة النسبية الجمالية “الجمال في عين الناظر”.

في الجيل الأول أنتجت هذه المجموعة أعمالًا تحتفظ بالسمات الأساسية مثل مونيه، ورينوار، وديجاس التي احتفظت بعناصر الانضباط في التصميم والتنفيذ، ولكن هذه المعايير أخذت تتراجع مع كلّ جيلٍ حتى أصبح لا وجود لها مع ثورة ما بعد الحداثة، وكل ما تبقى هو التعبير الشخصي للفن دون احترام أيّ معايير.

لندن عام 1974، المكانRowan Gallery  حيث يوجد كوبٌ من الماء على لوحٍ زجاجيٍّ شفافٍ يرتفع مترين ونصف عن الأرض، لا شيء غير منطقيٍّ في الأمر إلى الآن. حتى يعلن كريج مارتن أنّ هذا هو عمله الفني “شجرة البلوط” وسط دهشة الحضور.

هل هي محاكاةٌ ساخرةٌ؟ وإلى أيّ مدى ينجح الفن في عكس رسالته حتى ولو بدا سطحيًا وتافهًا؟

يقول كريج مارتن:

“إنّ شجرة البلوط موجودةٌ فعليًا، ولكن في شكل كوبٍ من الماء، ومهما أطلقت عليها من أسماء لن يغير هذا من حقيقة أنها شجرة بلوط”.

إنّ ثقة الفنان بقدرته على الإيمان بعمله الفني ومدى استعداد المشاهد في تقبل ما عُرض عليه هو ما يكشف عن جوهر العنصر، وهذا هو قلب التفكير التصوري، حيث يؤكد الفنان على ما خلف العمل من مضمونٍ متجاوزًا مبادىء الفن الكلاسيكي.

في الوقت الذي لم يعد فيه الفن حكرًا على الطبقة الأرستقراطية، يميل فن ما بعد الحداثة أكثر للثقافة الشعبية والقضايا التي تتعلق بالمجتمع متساهلًا مع تفاصيل الدقة والإبهار. كما في هذا العمل The end للفنان الكوري الجنوبي Kim Sunwoo:

مؤخرًا قامت دار دولتشي آند غابانا في ميلانو باستبدال عارضات الأزياء بطياراتٍ دون طيارٍ لعرض حقائب اليد، في سبقٍ تاريخيٍّ ما بعد حداثي.

ما الذي لفت نظرك أكثر الطائرة أم الحقيبة؟

أنا أغرد إذن أنا موجود I tweet therefore I am

في عصر الانفجار الاتصالي عن بعد كما وصفه ليوتار، ومع انتشار فرضياتٍ عن عالم المحاكاة الحاسوبية وتعزيز الواقع الافتراضي وما طرأ على المجتمع الغربي من تغييرٍ جذريٍّ في آلية النظر للمعرفة أو إنتاجها في مختلف المجالات.

يختلف النقاد حول ما قدمه التيار ما بعد الحداثي للثقافة الغربية بدءًا من اعتباره مرحلةً للانحطاط والاضمحلال الفكري، إلى من رأى فيه ثورةً على الثورات التي رسمت معالم الثقافة الغربية خلال القرن التاسع العشر، بعد تزايد الاتجاه نحو العولمة وتعقد وتعدد التيارات الفكرية الإنسانية.

أتمنى أن أكون قد أوصلت للقارىء بعض الملامح والمفاتيح عن حالةٍ ما بعد الحداثة، بصرف النظر عن اختلاف الآراء حول انتهاء تلك الحالة أو تنكرها بأزياء استوعبتها الثقافة الشعبية.

إعداد: قتيبه عثمان – مراجعة: محمد مطيع – تدقيق لغوي: رأفت فياض

مصادر ومراجع للتوسع:

  • https://m.ranker.com/list/famous-postmodernism-artists/reference
  • http://www.tate.org.uk/art/artworks/craig-martin-an-oak-tree-l02262
  • https://en.m.wikipedia.org/wiki/An_Oak_Tree
  • http://www.economist.com/node/8401159
  • https://philosophynow.org/issues/58/The_Death_of_Postmodernism_And_Beyond
  • https://newrepublic.com/article/143730/americas-first-postmodern-president
  • https://www.allaboutphilosophy.org/postmodernism.htm
  • http://www.thoughtsfromatherapist.com/2011/01/06/postmodernism-%E2%80%93-making-an-%E2%80%98out-there%E2%80%99-philosophy-useful/

كتب:

  • حالة ما بعد الحداثة، فرانسوا ليوتار.
  • ما وراء القص التاريخي، ليندا هتشيون.
  • لذة النص، رولان بارت.
  • التفكيكية، كريستوفر نوريس

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة قتيبه عثمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عوامل ومظاهر التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لإسرائيل (الجزء الأول)

الأصل المشترك بين نظرية التطور والاقتصاد