in

هل يؤدي توسع السوق إلى تدهور الروابط الإجتماعية؟

لطالما كان السوق محط إنتقادات دائمة منذ القدم إلى اليوم. لم يكن النقد إقتصاديًا فقط، بل تجاوزه إلى الجانب الأخلاقي. يأتي النقد الأخلاقي الشائع للسوق على النحو التالي: لقد حسّنت الأسواق (الليبرالية/الرأسمالية) الحياة المادية للإنسانية بشكل واضح؛ لكن ذلك حصل على حساب “أرواحنا”! لقد “فسدت”، “إنحطّت”، “تدهورت”، “إنحلّت”… أخلاقنا، من أجل بعض من الرفاهية والرّخاء.

يعتبر هذا النقد الشائع من ضمن الأسباب التي تدفع الناس في عدد من المجتمعات غير الليبرالية إلى صدّ توسع الأسواق، ليس لأسباب إقتصادية، بل لإعتبارات أخلاقية إجتماعية. لهذا من الواجب علينا تحدّي هذا المنظور السلبي لأخلاقية السوق.

في هذا المقال، سنأخذ النقد الأخلاقي الإجتماعي للسوق. القائل بأن نمو الأسواق مرتبط بتدهور الروابط الاجتماعية.

كان الفيلسوف وعالم الإجتماع الماركسي “هنري لوفيفر” Henri Lefebvre قلقًا من زحف “فضاء السوق” إلى مساحات اجتماعية أخرى. في عمله الشهير Critique of Everyday Life يرى Lefebvre أنه من أجل النمو، يجب على الرأسمالية أن تخلق نوعًا معينًا من الفضاء. هذا الفضاء ما يمكن أن يسمى “فضاء السوق” market space وما أطلق عليه Lefebvre في أوقات مختلفة “فضاء العمل والتبادل والاستهلاك” – هو بالنسبة له فضاء من الاستلاب alienation والسيطرة والاستغلال.

وفقًا لـLefebvre، يعتمد “بقاء الرأسمالية” على امتداد هذا الفضاء الرأسمالي إلى “الفضاء بأكمله”. أي أن توسع المجال الاقتصادي يفكّك الأسر والبلدات والطبيعة وحتى الفضاء الخارجي. مع توسع نطاق السوق، أصبحنا قادرين بشكل متزايد على الاستفادة من “تقسيم العمل” division of labor، وبالتالي، كمجتمع، نصبح “أكثر ازدهارًا”.

لكن Lefebvre يؤكد أننا “دفعنا ثمناً باهظاً بسبب هذا التقدم”. لقد قايضنا “التقدّم المادي” بـ”التدهور الاجتماعي”، كما يردّد مرارًا نقّاد الحداثة في نقدهم الثقافي للرأسمالية. هذه العملية التوسّعية لـ”فضاء السوق” التي تلتهم المساحات العامة ضارة للغاية بالنسبة له. تخلق الرأسمالية أيضًا فضاءات عالمية ومقسمة جديدة من خلال عمليات مثل التحضّر والعولمة globalization تساهم في الاستلاب والتفكّك.

تقول الكاتبة Helen Pluckrose أن الشعور بأن هناك تهديد على “الأصالة” ‏authenticity من الاهتمامات المركزية لمفكري “ما بعد الحداثة” أيضًا. على سبيل المثال، جادل الفيلسوفان الفرنسيان “جيل دولوز” Gilles Deleuze و”فيليكس گوتاري” Félix Guattari بأن الذات “مقيّدة” من قبل “المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي” بلا “معنى أعمق”. مثل Baudrillard، اعتبروا حالة المجتمع على أنها حالة “محاكاة” simulation – كل شيء مصطنع ويتألف من مجرد نسخ، وليس نسخًا أصلية.

غالبًا ما يشترك “رد الفعل التشاؤمي” السائد -الذي يميز تفكير مناهضي الحداثة والليبرالية- مع “ما بعد الحداثة” و”الرجعية” و”التقليدانية”، ذلك الشعور الذي يؤدي إلى تأجيج المخاوف من ما يسمونه بـ”الغطرسة البشرية” من جهة و”فقدان المعنى” و”الإنسان التائه” من جهة أخرى.

هل هذه الادعاءات صحيحة؟

في كتابهما “هل الأسواق تفسد أخلاقنا” Do Markets Corrupt our Morals الصادر سنة 2019. يجادل كل من Ginny Choi وVirgil Storr بأن الادعاء القائل بأن السوق له أثار وعواقب سلبية على الأخلاق والمجتمع بالرغم من التقدم المادّي الذي حققه، شائع ومتكرر منذ قرون. بينما كانت الدفاعات الكلاسيكية على السوق أخلاقيًا غير كافية، فإن هذا الإدعاء المتكرّر بكثرة هو “قابل للقياس والإختبار” وهو مسألة “فحص تجريبي”.
إذا كان هذا النقد للسوق صحيح، فيجب إثبات ذلك في الأدلة. إذا كان النقاد الثقافيون للأسواق على صواب، فيجب أن يكون هذا الإفتراض على الأقل صحيح: الظواهر المؤيدة للمجتمع تقلّ في “المجتمعات السوقية”، بينما تكثر في “المجتمعات غير السوقية”.

تظهر الأدلّة أن الأشخاص الذين يعيشون في “مجتمعات السوق” market socities لديهم مجتمعات أقوى من الأشخاص الذين يعيشون في “مجتمعات غير سوقية” non-market socities. اتضح أن السوق هو فضاء يمكن أن يدعم المجتمع. بدلاً من أن تكون مكانًا مناهضًا للمجتمع، فإن الأسواق هي فضاءات اجتماعية حيث يمكن للروابط الاجتماعية أن تتطور.

يمكن القول أن هذه الإمكانات الاجتماعية للأسواق كانت مفهومة جيدًا.

على سبيل المثال، أوضح “أدم سميث” Adam Smith بأن “ضرورة التعايش المتبادل [في المجتمعات التجارية] كثيرًا ما ينتج عنه صداقة لا تختلف عن تلك التي تحدث بين أولئك الذين يولدون ليعيشوا في نفس الأسرة. الزملاء في المكتب، الشركاء في التجارة، يتصلون ببعضهم البعض بالإخوة ؛ وكثيرًا ما يشعرون تجاه بعضهم البعض كما لو كانوا بالفعل إخوة”.

وبالمثل، ذكر “هايك” Hayek أن “الاعتماد المتبادل بين جميع الرجال… الذي يميل إلى جعل البشرية جمعاء عالمًا واحدًا، ليس فقط تأثير نظام السوق ولكن لا يمكن أن يكون قد تم تحقيقه بأي وسيلة أخرى (غير وسيلة السوق)”.

وبالمثل، قال روثبارد Rothbard أنه: من الأرجح أن تكون مشاعر الصداقة والشركة هي آثار نظام التعاون الاجتماعي (التعاقدي)… في عالم من التعاون الاجتماعي الطوعي من خلال التبادلات ذات المنفعة المتبادلة، حيث يكون مكسب رجل واحد هو مكسب رجل آخر، من الواضح أنه يتم توفير مجال كبير لتنمية التعاطف الاجتماعي والصداقات البشرية”.

ناقش Pinker أيضًا أنه بموجب ترتيبات مؤسسية معينة في التجارة (أي داخل السوق)، يتم تحفيز البشر على ضرورة معاملة الغرباء كأصدقاء. بفضلها يتم تشجيع الأجزاء الملائكية من طبيعتنا البيولوجية العصبية المزدوجة، مثل التعاطف والإيثار المتبادل. خاصة أن المجتمعات والصداقات المشتتة جغرافيًا أصبحت ممكنة بفضل خدمات الاتصالات والنقل المتاحة بسبب السوق أو قوى العولمة.

تشير الدلائل إلى أن الأشخاص الذين يعيشون في “مجتمعات السوق” لديهم “رأس مال اجتماعي” أكبر من أولئك الذين يعيشون في “مجتمعات غير السوق”. ونسبة أكبر من السكان في مجتمعات السوق هم أعضاء نشطون في المنظمات والجمعيات مقارنة بمجتمعات غير السوق. تشير النسبة نفسها تقريبًا من الأشخاص في مجتمعات السوق وغير السوق إلى كونها عضوًا نشطًا في منظمة دينية، ولكن عددًا أكبر من الأشخاص في “مجتمعات السوق” 20,80% من المستجوبين أكثر من المجتمعات غير السوقية 8,40% يبلغون عن كونهم عضوًا نشطًا في منظمة رياضية أو ترفيهية.

المرجع: كتاب “هل تفسد الأسواق أخلاقنا؟” Do Markets Corrupt Our Morals؟ الصادر سنة 2019.

يصدر معهد Legatum سنويًا “مؤشر الازدهار”، الذي يبحث في الازدهار باعتباره مزيجًا من الثروة والرفاهية.
يقوم أحد مؤشراته بتقييم التماسك الاجتماعي، والمشاركة، والشبكات المجتمعية والعائلية، والأعراف الاجتماعية، والمشاركة السياسية، والثقة المؤسسية.

بعبارة أخرى، يتضمن المؤشر تقديرًا (غير كامل، لكنه مع ذلك قيِّم) لقوة رأس المال الاجتماعي social capital داخل المجتمع الذي يمكّنه من العمل بفعالية.

الشكل 2: المرجع: نفس المرجع السابق.

باستخدام بيانات من هذا المؤشر، يوضح (الشكل 2) أن الأشخاص الذين يعيشون في “مجتمعات السوق “يتمتعون برأس مال اجتماعي أقوى بشكل ملحوظ 58,58 (أي علاقات شخصية أقوى، ودعم الشبكة الاجتماعية، والمزيد من المشاركة المدنية) مقارنة بأولئك الذين يعيشون في “مجتمعات غير سوقية” 47,44.
تتميز مجتمعات السوق أيضا بمستوى عالي من الثقة بين أفرادها.

تشير المقارنات العالمية لمواقف الثقة حول العالم اليوم إلى عدم تجانس كبير للغاية ومستمر عبر البلدان. من ناحية أخرى، في بلدان مثل النرويج والسويد وفنلندا، يعتقد أكثر من 60% من المشاركين في “استطلاع القيم العالمية” أنه يمكن الوثوق بالناس. وفي الطرف الآخر، في بلدان مثل كولومبيا والإكوادور وبيرو، يعتقد أقل من 10% أن هذا هو الحال. والثقة عنصر أساسي في رأس المال الاجتماعي – مساهم رئيسي في استدامة نتائج الرفاهية، بما في ذلك التنمية الاقتصادية.

يبدو أن المخاوف بشأن “تدهور المجتمع” نتيجة لتوسع السوق والعولمة والابتكارات التكنولوجية المصاحبة لهما مبالغ فيها. وأحيانًا يبدو هذا الإدعاء بمثابة ملجأ أخير لمناهضي الحداثة والليبرالية من أجل حثّ الناس على مناهضة السوق. خاصة بعد تراجع قيمة إنتقاداتهم ذات الإعتبار الإقتصادي.

فيما يتعلق بإمكانية أن تعمل الأسواق كحاجز كبير أمام الحفاظ على الروابط الإجتماعية وتطويرها، تشير الأدلة إلى العكس، السوق هو فضاء يدعم المجتمع وحيث يمكن أن تتشكل وتزدهر الروابط الإجتماعية بشكل أفضل من المجتمعات المناهضة للسوق.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة سامي بوعجاجة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الملكية البرلمانية

الملكية البرلمانية: نظام ضامن للحريات

كهرباء فعالة في لبنان

توسيع نطاق الوصول إلى كهرباء فعالة في لبنان: القطاع الخاص مقابل الاحتكار الحكومي