غروب الشمس في مدينة بيروت
in

الهجرة الجماعية: لماذا يفقد لبنان شبابه؟

لطالما كان لبنان أرضًا للهجرة والحرب والاضطراب. يواجه لبنان حاليًا هجرةً جماعيةً جديدةً كبيرةً أثّرت في كلّ بيتٍ لبنانيٍّ وكلّ بلدةٍ لبنانيةٍ.

إنها لعنة موقعه الاستراتيجي الذي تلعب فيه القوى الأجنبية بالشكل الذي يناسبها. بالطبع، عندما لا يعود الأمر كذلك، فإنها تتخلى عن لبنان، ما يحوّل الاستقرار والازدهار فيه إلى أمرٍ نادرٍ. ساهم فساد القادة المحليين والخلافات الداخلية في انعدام الاستقرار وضعف الاقتصاد وهشاشة المجتمع أيضًا.

على خلفية هذه المشاكل، غادر ملايين الأشخاص لبنان بحثًا عن فرصٍ في أماكن أخرى. أدت هذه الهجرة إلى خلق مجتمعات شتات كبيرة حول العالم؛ أبرزها في البرازيل (6 ملايين)، والأرجنتين (1.5 مليون)، والولايات المتحدة (440,279)، وفرنسا (225،000)، وأستراليا (203,139).

قد تستطيع هذه الموجة الجديدة التسبب في زيادة هذا الرقم بشكل حاد.

غروب الشمس في مدينة بيروت

الهجرة من لبنان بالأرقام

المؤسسات اللبنانية التي تبحث في موضوع الهجرة محدودة، إذ تنشغل معظم الجمعيات الإحصائية بإجراء دراسات حول الانتخابات النيابية المقبلة في آذار/مارس.

لكن إحدى المؤسسات القليلة التي تعمل جيّدًا هي مرصد الأزمات Crisis Observatory في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي مؤسسةٌ نشرت في 31 آب/أغسطس 2021 مقالًا وصفت فيه الأزمة الحالية بالموجة الثالثة من الهجرة الجماعية.

بدأت الموجة الأولى منذ استقلال لبنان عام 1943 خلال الحرب الأهلية اللبنانية، التي حدثت بين عامي 1975 و1990، حين غادر 990 ألف شخص ديارهم، ثم بين عامي 1990 و2019، غادر ما يقدر بنحو 750 ألف شخص البلاد بسبب الحرب التي أعاقت التنمية الاقتصادية بشدة.

في العامين الماضيين، غادر البلاد ما يُقدَّر بنحو 500,000 شخص، بما في ذلك الأطباء والطلاب ورجال الأعمال والمعلمين والعمال المهرة. تفقد العديد من المستشفيات والمدارس طواقمها. أظهر استطلاع حديث أن 77% من شباب لبنان يريدون مغادرة البلاد للعيش في الخارج.

فقط قارِن هذه الأرقام -في عامين فقط- بالموجات السابقة، ثم قارِن معدل الهجرة في لبنان بما رأيناه في بلدان مثل فنزويلا واليونان وزيمبابوي. من الواضح أن الوضع مريع، ولا يُظهر أي بوادر للتباطؤ.

ما سبب كل هذه الهجرة من لبنان؟

مع إغلاق البنوك بعد أيام قليلة من ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، وصلت أخيرًا أزمةٌ اقتصاديةٌ طال انتظارها. وضعت البنوك قيودًا على احتياطيات الناس، وزادت هذه القيود تدريجيًا إلى جانب التضخم، الذي بلغ معدل غير مسبوق بأكثر من 200% في تشرين الثاني/نوفمبر 2021.

بعد ذلك بوقت قصير، تبع انتشار جائحة كوفيد-19 إغلاقٌ سريعٌ أدى إلى إلحاق أضرارٍ جسيمةٍ بالأعمال التجارية المتعثرة بالفعل. كان عليهم الإغلاق أو العمل بقدرة أقل بكثير، وتعرّض القطاع الطبي لضغوطٍ هائلةٍ.

في 4 آب/أغسطس 2020، ومع بقاء البلاد تحت الإغلاق، حدث أحد أكبر الانفجارات غير النووية الشهيرة. لقد دمّر ميناء بيروت، أحد المراكز الاقتصادية الرئيسية في البلاد. أسفر الانفجار عن مقتل أكثر من 200 شخص، وإصابة الآلاف، وإلحاق أضرارٍ بالغة بالبنية التحتية للمدينة، وإغلاق الأعمال التجارية، وهدم 300,000 منزل.

ثم في عام 2021 جاءت أزمة الكهرباء والوقود ، مما جعل المهام البسيطة باهظة الثمن وصعبة. شهد عام 2021 أيضًا تضخم الليرة اللبنانية إلى 25,000 ليرة مقابل الدولار الواحد (وقت كتابة هذا التقرير). في الواقع، يُعتبر لبنان يعاني من ثالث أخطر أزمة اقتصادية في التاريخ الحديث، وفقًا للبنك الدولي. فالفقر متفشٍ في لبنان، وقد يتجاوز معدل الفقر متعدد الأبعاد 80% في المستقبل القريب.

باختصار، أصبحت الحياة بعيدة المنال ماليًا، وأصبحت الخدمات محدودة، وأصبح اللبنانيون يعتقدون أن أمنهم يمكن أن يكون مهددًا في أي وقت.

لقد أدى إلى نزوح جماعي للبنانيين من وطنهم، ومن يستطيع أن يلومهم على المغادرة؟ لكن الهجرة الجماعية ستؤدي إلى آثار اقتصادية واجتماعية وديموغرافية أكثر كارثيةً.

ازدياد الطلب على جوازات السفر

اتضحت الهجرة الجماعية خلال صيف عام 2021، عندما هرع الآلاف إلى مراكز الأمن العام في لبنان لتقديم طلبات للحصول على جوازات سفر، حتى أن بعضهم كان هناك في الساعة 4:00 صباحًا.

في أيلول/سبتمبر، صرّح اللواء عباس إبراهيم، رئيس مديرية الأمن العام في لبنان، أن مديريته تتعامل مع 7,000 إلى 8,000 طلب جواز سفر يوميًا، مقارنةً بـ 3000 طلب عادي.

وقد دفعت هذه الأزمة المديرية إلى فرض قيود، مثل السماح فقط بجوازات السفر لمن لديهم تذكرة، وتباطأ متوسط ​​وقت استكمال جوازات السفر إلى ما يزيد عن شهر. هذه الإجراءات، على الرغم من أنها تبدو بسيطة، هي إجراءات استبدادية: فهي تقيد حرية مواطنيها، بطريقةٍ ما إنها تسجنهم.

ومن المفارقات (وللأسف)، أنه نفس الاستبداد الحكومي الكبير -وقبل كل شيء، استبداد الحرب والتضخم والإغلاق- هو الذي دفع الكثير من اللبنانيين إلى الرغبة في الخروج في المقام الأول.

فقط من خلال إعادة السلام والاستقرار والعقل الاقتصادي، سيتمكن الشباب اللبناني من البقاء في المكان الذي يعتبرونه وطنهم.

اقرأ أيضًا: مقاومة البيتكوين: كيف يستخدم اللبنانيون البيتكوين للتغلب على الأزمة الاقتصادية؟

ترجمة: رأفت فياض

كتب مايكل معلوف Michael Malouf المقال الأصلي، ونُشِر على موقع طلاب من أجل الحرية SFL.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مدخل إلى الديمقراطية

صورة مكبرة للأم تريزا

حقائق صادمة عن الأم تريزا.. قد تجعلك تعيد النظر في قدسيتها!