in

الميزان التجاري – بقلم فريدريك باستيا

الميزان التجاري اعتقادٌ راسخٌ.

نعلم ما يتضمن: إذا كانت الدولة تستورد أكثر مما تصدّر، فإنها تخسر الفرق؛ على العكس من ذلك، إذا تجاوزت صادراتها وارداتها، فإنها تربح الفائض؛ يُعتبَر هذا بديهيًا، وتصدر القوانين وفقًا لذلك.

بناءً على هذه الفرضية، حذرنا السيد موجين Mauguin منذ يومين، بالاعتماد على الإحصاءات، من أن فرنسا تمارس تجارةً خارجيةً خسرت فيها مئتي مليون فرنك سنويًا بدافع حسن النية دون أن أن تكون مضطرةً لذلك.

“لقد خسرتم بسبب تجارتكم مئتي مليون فرنك خلال أحد عشر عامًا، فهل تعرفون ما يعني ذلك؟”.

لاحقًا، قال لنا طبقًا لقاعدته التي لا تُخطئ عن الحقائق: “لقد بعتُم منتجاتٍ مصنعةً بقيمة 605 مليون فرنك في عام 1847، ولم تشتروا سوى ما قيمته 152 مليون فرنك، إذًا فقد ربحتم 450 مليون”.

“اشتريتم موادَّ خام بقيمة 804 مليون، وبعتُم بقيمة 114 مليون فقط؛ وبالتالي فقد خسرتم 690 مليون”.

هذا مثال على الجهل القوي في اتّباع فرضية سخيفة لاستنتاجها المنطقي؛ اكتشف السيد موجين سرًا جعل حتى السيدَين داربلاي Darblay وليبوف Lebeuf يضحكان على حساب الميزان التجاري Balance of trade؛ إنه إنجاز عظيم لا يمكنني إلا أن أغار منه.

دعوني أقيّم صحة القاعدة التي يحسب بموجبها السيد موجين وجميع مؤيدي الحمائية الأرباح والخسائر؛ سأفعل ذلك من خلال سرد صفقتَين تجاريتَين سمحت لي الفرصة بالمشاركة بهما.

كان لدي برميل نبيذ قيمته 0 فرنك في بوردو، أرسلته إلى ليفربول، وسجلت الجمارك في سجلاتها صادرات بقيمة 50 ​​فرنكًا.

بِيع النبيذ في ليفربول مقابل 70 فرنكًا، حوّلها وكيلي إلى فحم، والذي وُجِد أنه يساوي 90 فرنكًا في سوق بوردو، وسارعت الجمارك إلى تسجيل واردات بقيمة 90 فرنكًا. يساوي الميزان التجاري أو تجاوزت الوارداتُ الصادراتِ بـ 40 فرنكًا.

لقد كنت دائمًا مقتنعًا بأنني كسبت هذه الـ40 فرنكًا، مستمدًا ثقتي من سجلاتي، ولكن أخبرني السيد موجين أنني فقدتها، وأن فرنسا فقدتها في شخصي.

لماذا يرى السيد موجين خسارةً هنا؟ لأنه يفترض أن أي زيادة في الواردات على الصادرات تعني بالضرورة توازنًا يجب دفعه نقدًا. ولكن أين يوجد أيُّ رصيدٍ يجب دفعه في الصفقة التي أتحدث عنها وتتبع نمط جميع المعاملات التجارية المربحة؟ فهل من الصعب إذن أن نفهم أن التاجر يقارن بين الأسعار الحالية في أسواق مختلفة ولا يقرر أن يتاجر إلا عندما يكون لديه اليقين، أو على الأقل احتمال، من رؤية القيمة المصدرة تعود إليه بزيادة؟  ومن ثم، فإنّ ما يدعي السيد موجين بأنه خسارة يجب أن يُسمّى ربحًا.

بعد أيام قليلة من صفقتي هذه، شعرت بالندم، وتأسفت لأنني لم أنتظر، فقد انخفض سعر النبيذ في بوردو وارتفع في ليفربول، فلو لم أكن متعجلًا، كان بإمكاني شراء النبيذ بـ 40 فرنكًا وبيعه بـ 100 فرنك؛ لقد اعتقدت حقًا أنه على هذا الأساس كان ربحي سيكون أكبر، لكنني علمت من السيد موجين أن الخسارة هي التي كانت لتكون أكبر.

كانت نتيجة صفقتي الثانية مختلفةً تمامًا.

كنت قد شحنت كمية من فطر الكمأة من منطقة بيريغورد، وقد كلفتني 100 فرنك، وكان من المقرر أن أبيعها لوزيرين إنجليزيين متميزين بسعر مرتفع للغاية، والذي اقترحت تحويله إلى جنيهات إسترلينية؛ للأسف، كان من الأفضل أن أتناولها بنفسي (أعني فطر الكمأة، وليس الجنيهات الإسترلينية أو الوزيرين)، فلما كان كل شيء سيذهب هباءً كما حدث، لأن السفينة التي نقلتهم غرقت بعد مغادرتها. لم يكن لدى ضابط الجمارك الذي سجّل في هذه الحادثة تصدير بقيمة 100 فرنك أي إعادة استيراد ليسجلها في هذه الحالة.

لاحقًا، سيقول السيد موجين إن فرنسا قد ربحت 100 فرنك، لأنه في الواقع تجاوزت قيمة الصادرات قيمة الواردات بهذا المبلغ، بفضل غرق السفينة؛ لو سارت الأمور على خلاف ذلك، لو تلقيت على سبيل المثال ما قيمته 200 أو 300 فرنك من الجنيهات الإسترلينية، لكان الميزان التجاري سلبيًا، وستكون فرنسا هي الخاسرة.

من وجهة نظر العلم، فمن المحزن الاعتقاد بأن جميع المعاملات التجارية التي تنتهي بخسارة وفقًا لرجال الأعمال المعنيين تظهر ربحًا وفقًا لتلك الفئة من المُنظِّرين الذين يناقضون النظرية دائمًا. ولكن من وجهة نظر الشؤون العملية فالأمر أكثر حزنًا، فما النتيجة؟

لنفترض أن للسيد موجين القوة -وإلى حدٍّ ما لديه هذه القوة من خلال أصواته- لفرض حساباته ورغباته بدلًا من حسابات ورغبات رجال الأعمال ولإعطاء، على حد تعبيره، “منظمةً تجاريةً وصناعيةً جيدةً البلد، قوة دفع جيدةً للصناعة المحلية”، ماذا كان ليفعل؟

سيلغي السيد موجين بقوة القانون جميع المعاملات التي تشمل الشراء بسعر محلي منخفض من أجل البيع بسعر مرتفع في الخارج، وتحويل العائدات إلى سلع مرغوبة جدًا في الداخل، لأنه في هذه الصفقات التجارية تتجاوز قيمة الواردات قيمة الصادرات.

وفي المقابل، فإنه سيتسامح مع، وإذا لزم الأمر فقد يشجع من خلال الإعانات (بواسطة أموال الضرائب المفروضة على الشعب)، جميع الشركات القائمة على فكرة الشراء الغالي في فرنسا من أجل البيع بثمن بخس في الخارج؛ بعبارةٍ أخرى: تصدير ما هو مفيد لنا لاستيراد ما هو عديم الفائدة. وهكذا، سوف يتركنا أحرارًا تمامًا، على سبيل المثال، لإرسال الجبن من باريس إلى أمستردام مقابل إعادة آخر صيحات الموضة من أمستردام إلى باريس، لأن الميزان التجاري سيكون دائمًا في مصلحتنا في مثل هذه الحالة.

ومع ذلك، فمن المحزن، وأجرؤ على القول أنه من المهين، ألّا يسمح المشرِّع للأطراف المعنية باتخاذ القرار والتصرف من أجل أنفسهم في هذه الأمور على حساب مسؤوليتهم الخاصة؛ عندها على الأقل سيتحمل كلّ شخصٍ مسؤولية أعماله؛ من أخطأ يُعاقب ويُصحَّح خطؤه، ولكن عندما يفرض المشرع ويحظر، فإذا ما كانت قراراته خاطئة وفادحة، عندها يصبح هذا الخطأ هو قاعدة السلوك لأمةٍ بأكملها. في فرنسا، نحب الحرية كثيرًا، لكننا بالكاد نفهمها؛ دعونا نحاول فهمها بشكلٍ أفضل! لن نحبها أقل من ذلك.

صرّح السيد موجين برابطة جأش أنه لا يوجد رجل دولة في إنكلترا لا يقبل مبدأ موازنة التجارة، وقد اندفع بعد حساب الخسارة الناتجة عن فائض وارداتنا، بحسب رأيه، قائلًا: “إذا قُدِّمت صورةٌ مماثلةٌ للإنكليز، فسوف يخافون، ولن يوجد عضو في مجلس العموم لن يشعر بأن مركزه مهددٌ”.

من جهتي، أؤكد أنه إذا قال أحدهم لمجلس العموم في المملكة المتحدة: “إن القيمة الإجمالية لصادرات البلاد تتجاوز القيمة الإجمالية للواردات”، عندها سيشعرون بالتهديد؛ وأشكّ في إمكانية العثور على متحدثٍ واحدٍ يجرؤ على إضافة: “يمثّل الفرق ربحًا”.

يقتنع الإنكليز بأنه من المهم أن تتلقى الأمة أكثر مما تعطي، وقد لاحظوا أيضًا أن هذا هو سلوك جميع رجال الأعمال، وهذا سبب انحيازهم نحو سياسة عدم التدخل والتزامهم باستعادة التجارة الحرة.

مقتطف من كتاب “اقتصاد الحرية: ما لن يخبرك به أساتذتك” للاقتصادي فريدريك باستيا.


  • ترجمة: رأفت فياض.
  • مراجعة: محمد مطيع.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

رأفت فياض

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البيروقراطية

البيروقراطية

الفلسفة

الفلسفة في وقت الأزمة