الملكية البرلمانية
in ,

الملكية البرلمانية: نظام ضامن للحريات

تهيمن الملكيات البرلمانية على تصنيفات الحريات الاقتصادية والسياسية في بعض بلدان الكومنولث والدول الاسكندنافية. إن الأهمية التي يمثلها البرلمان وكذا عدم تسييس منصب رئيس الدولة يوفران إطارًا مؤسسيًا يفضي إلى اتخاذ قرارات ليبرالية.

أثارت وفاة الأمير فيليب مونتباتن، زوج الملكة إليزابيث الثانية، تساؤلات حول دور الملكية في مجتمعاتنا الحديثة. حتى أن البعض في فرنسا ذهبوا إلى حد اعتبار أن هذا النموذج عفا عليه الزمن، ويعتقدون أنه ينبغي إلغاؤه واستبداله بالنظام الجمهوري. لكن، هل هذا الأخير بالضرورة نظام أفضل؟ المؤشرات والتصنيفات التي تقيس درجة حرية الدول تظهر عكس ذلك: الملكية البرلمانية فعالة فيما يخص حماية الحريات. قد يفسر هيكلها المؤسساتي ذلك: إن السلطة فيها أقل تركيزًا بين يدي شخص واحد.

تهيمن الأنظمة الملكية عندما يتعلق الأمر بالحريات الاقتصادية والمدنية

المملكة المتحدة ليست الملكية البرلمانية الوحيدة في الغرب والعالم الصناعي. في القارة الأوروبية، تعد غالبية دول الشمال الأوربية، حتى اليوم، أنظمة ملكية. في الدول الاسكندنافية؛ النرويج والسويد والدنمارك يحكم ملوك. كما هو الحال في البنلوكس وبلجيكا وهولندا ودوقية لوكسمبورغ الكبرى. نفس الوضع في إسبانيا. علاوة على ذلك، تخضع العديد من دول الكومنولث لسلطة التاج البريطاني: كندا وأستراليا ونيوزيلندا تحكمها إليزابيث الثانية كرئيسة للدولة، ويمثلهم حكام عامون. واحتفظت اليابان بدورها بإمبراطورها.

يبدو من المناسب تحليل أداء هذه البلدان من حيث الحريات الاقتصادية والسياسية. يوفر مؤشر مؤسسة إيريتاج فوندايشن لعام 2021 معلومات عن الحرية الاقتصادية. كما يوفر تصنيف معهد كاتو لعام 2020 وبيانات فريدوم هاوس نظرة عن الحريات السياسية والمدنية. يسلط الجدول أدناه الضوء على ترتيب الملكيات في التصنيفين والنتيجة التي يوفرها تقرير فريدوم هاوس. وتم إدراج الجمهورية الفرنسية من أجل المقارنة.

 الترتيبالمعدل
البلدمؤشر الحرية الاقتصادية (ايريتاج فوندايشن)مؤشر الحرية البشرية (معهد كاتو)مؤشر فريدم هاوس
النرويج2815100/100
السويد219100/100
الدنمارك104100/97
هولندا1614100/98
المملكة المتحدة717100/93
كندا96100/98
استراليا35100/97
نيوزيلاندا21100/99
بلجيكا3725100/96
اللوكسمبورغ1811100/97
إسبانيا3929100/90
اليابان2311100/96
    
فرنسا6433100/90

تبرز عدة ملاحظات. تحتل الملكيات أكثر من نصف البلدان “العشرة الأولى” الأكثر حرية وبعضها يأتي في المقام الأول. في المجال الاقتصادي، باستثناء إسبانيا، تعد جميعها بلدانا “حرة” أو “حرة جدا”. دول الكومنولث، في المتوسط​​، أكثر نجاحًا بقليل من ملكيات القارة الأوربية الأخرى. يمكن تفسير النتيجة المنخفضة لإسبانيا جزئيًا بحداثتها، حيث أعيد تأسيس النظام الملكي بمبادرة من الجنرال فرانكو في نهاية عهده. لذلك فهو نظام واختيار سياسي حديث مقارنة بالملكيات الأخرى. أما إمارة ليشتنشتاين فهي غائبة عن هذا الجدول لأنها لا تظهر في تصنيفات إيريتاج فوندايشن ومعهد كاتو.

سياسة يقودها البرلمان وليس رجل يحظى بالتفويض الإلهي

في جميع هذه البلدان، يتمتع الملك بسلطات محدودة للغاية، بل رمزية، على عكس الجمهوريات الرئاسية مثل فرنسا أو الولايات المتحدة حيث يتمتع الرئيس بمفرده عمليًا بسلطة اتخاذ القرار. في الولايات المتحدة، يلعب الكونغرس دور الحاجز أمام سلطات الرئيس، لكن في فرنسا، يظهر البرلمان أكثر فأكثر كغرفة تسجيل. انضباط برلمانيي الحزب الحاكم أثناء التصويت للتشريعات التي تضعها السلطة التنفيذية الرئاسية لا يشجع النقاش السياسي على المستوى التشريعي. أما في الملكيات، فالشخص الرئيسي النشط الممثل للسلطة التنفيذية هو رئيس الوزراء، الذي يستمد شرعيته من البرلمان. عندما ينتخب رئيس ما، يرى رئيس الوزراء أن مصيره يعتمد على البرلمان الذي يمكنه إقالته من منصبه. كما أن بقاءه في السلطة غير مرتبط بإرادة رئيس الدولة. هذا هو أحد الأسباب التي تجعل الأنظمة الملكية تعمل بشكل أفضل من الجمهوريات.

ما هو الفرق إذن بين جمهورية برلمانية مثل ألمانيا ونظام ملكي؟ يمتلك الملك، في بلدان مثل المملكة المتحدة، سلطات يمكن استخدامها في أوقات الأزمات. وهكذا فإن ملكة إنجلترا لها حق النقض الذي سبق له أن استعملته في الماضي. من المؤكد أن الرؤساء الجمهوريين لديهم أيضًا هذه القدرة. لكن حقيقة أن الملك لم يتم تعيينه بشكل مباشر من خلال إجراء انتخابي كما هو الحال في فرنسا أو بشكل غير مباشر كما هو الحال في ألمانيا، يحد من اتخاذ قرارات سياسوية بحتة. إذا كان الدور الحقيقي للملك محدودًا، فإن دوره الرمزي يكون قويًا. يوحد الملك البلاد حول شخصه، وسلطته الأخلاقية والقانونية استثناء تحد من سلطة المؤسسات الأخرى. هذه هي قوة الملكية الدستورية: لامركزية صنع القرار مع البرلمان، وضمان استقرار الأمة في أوقات الأزمات بفضل قائد يظل فوق النزاعات السياسية.

نشر هذا المقال من طرف معهد البحوث الاقتصادية والجبائية.

ترجم هذا المقال د.رشيد أوراز لكاتبه الكسندر ماسو: حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون، ومتخصص في العلاقات الدولية. مجالات اهتمامه الرئيسية هي الاستراتيجية السياسية، وقضايا الأمن والدفاع، والسياسة في أوربا الوسطى والشرقية.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة الكسندر ماسو

الكسندر ماسو : حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون، ومتخصص في العلاقات الدولية. مجالات اهتمامه الرئيسية هي الاستراتيجية السياسية، وقضايا الأمن والدفاع، والسياسة في أوربا الوسطى والشرقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الحق في الحرية

هل يمكننا أن نتخلى عن الحق في الحرية؟

هل يؤدي توسع السوق إلى تدهور الروابط الإجتماعية؟