تمثال الحرية
تمثال الحرية
in ,

من هي المرأة التي ألهمت تمثال الحرية؟

يُعدّ تمثال الحرية The Statue of Liberty أحد أكثر التماثيل أيقونيةً في العالم الغربي، وغالبًا ما يُعتبر رمزًا للحرية الأمريكية. صمّم النحات الفرنسي فريديريك أوغست بارتولدي Frédéric-Auguste Bartholdi هذا التمثال الهائل، ونحته، وقد تبرعت به فرنسا للولايات المتحدة عام 1875 احتفالًا بالتحالف بين الدولتين خلال الثورة الأمريكية.

سُمِّي هذا التمثال رسميًا بـالحرية تنير العالم Liberty Enlightening the World، وهو يصوّر الحرية كامرأةٍ متوّجةٍ تحمل شعلةً في يمينها وتقبض في يسارها لوحًا يحمل تاريخ إعلان الاستقلال الأمريكي مكتوبًا بالأرقام الرومانية “JULY IV, MDCCLXXVI” (الرابع عشر من يوليو/تموز 1776). تصف إيما لازاروس Emma Lazarus في قصيدتها “العملاق الجديد The New Colossus” هذا التمثال بـ ” أم المنفيين Mother of Exiles”، وتبقى صورة المرأة في التمثال من أكثر الصور شهرةً في العالم بالنسبة للأمريكيين الجدد والقدامى، لكن ما الذي نعرفه بالتحديد عن الامرأة الحقيقية التي ألهمت تمثال سيدة الحرية؟

تتطلب الإجابة عن هذا السؤال أن نرجع إلى كتابات بارتولدي وتصاميمه السابقة، ليس لتمثال الحرية، بل لتمثالٍ سابقٍ يحمل تشابهًا واضحًا لهذا الصرح الأمريكي. بدأ بارتولدي بانشغاله في نحت التماثيل الهائلة في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، قبل نحو ثلاثين عامًا من اكتمال تمثال الحرية. وصف بارتولدي اهتمامه في التماثيل الهائلة كما عرفه عن طريق التماثيل الكلاسيكية، كتمثال عملاق رودس Colossus of Rhodes، ولكن الأسلوب الذي درسه ببالغ الاهتمام كان ذلك الذي اتبعه المصريون القدماء.

Colossi of Memnon

سافر بارتولدي إلى مصر نحو عام 1856، وقد ذُهِل بتمثالي ممنون العملاقين Colossi of Memnon اللذين بُنيا تخليدًا للفرعون أمنحتب الثالث، واللذين شُيِّدا فوق أنقاض مدينة الطيبة المصرية القديمة منذ أكثر من 3,200 عامًا، ويبلغ ارتفاعهما 70 قدمًا (21 مترًا). كتب بارتولدي:

“لا يزال هذان العملاقان المصنوعان من الجرانيت في جلالتهما الهادئة كأنما يستمعان إلى أبعد الأزمنة القديمة، وكأن نظرتهما اللطيفة التي لا يمكن تجاهلها تتجاهل الحاضر وتثبت على مستقبل غير محدود. ويعكس هذا التصميم بنفسه –بالإضافة للإبداع- اللانهاية بطريقةٍ أو بأخرى”.

كانت رحلة بارتولدي إلى مصر في غاية التحويل والتأثير بأسلوبه، فقد عاد في عام 1868 ليندهش مرةً أخرى بهذين التمثالين، وقدّم عام 1869 أطروحةً للخديوي المصري إسماعيل باشا لبناء تمثالٍ عملاقٍ أملًا منه بأن يستخدم الخديوي تصميماته للاحتفال بإكمال شق قناة السويس التي افتُتِحت في تلك السنة، كونها أقصر مسار بين البحرين المتوسط والأحمر، عملت قناة السويس كجسرٍ بحريٍّ بين آسيا وأوروبا، وكان بارتولدي يأمل إذا ما اختير بأن يُنظَر إلى عملاقه باعتباره رمزًا للتقدم والتفاهم الثقافي.

كان بارتولدي قد صمم تمثاله الذي عرضه للخديوي على شكل امرأةٍ مصريةٍ من الفلاحين، ولكن للأسف فباستثناء حالتها الاقتصادية والاجتماعية، لا يعرف إلا القليل عن هذه الفلاحة المصرية، إذ لم يترك بارتولدي أيّ سجلاتٍ تشير إلى اهتمامه بقصتها الشخصية. وبالرغم من ذلك، لم يكن اختياره لامرأةٍ بمحض الصدفة؛ كان بارتولدي واعيًا للتقاليد الفنية الأوروبية دامت لقرون من الزمان من تجسيدٍ للمبادئ والأفكار وحتى الدول على هيئة نساء.

كان هذا التجسيد يُعظّم، بل وأحيانًا يُبجَّل ويُقدَّس، ولكن ما كان يهم بارتولدي بشكل خاص هو أن هذه التجسيديات عاشت وظلت في أذهان أولئك الذين رؤوها تشبههم، ويتضح هذا المنطق في تقديم عرض بارتولدي باسمه وشكله ودوره، تحت عنوان مصر تحمل النور لآسيا، كانت هذه المرأة الهائلة لتتمركز في منتصف قناة السويس فوق قاعدةٍ ضخمة، ترتدي ما قد يعرفه المصريون بملابس الفلاحة مخلدةً في تمثال، حيث كانت لتكون معلمًا يجلب الفخر لجميع الطبقات الاجتماعية في مصر. يفوق حجمها حجم المنارة مرتين، كانت لتحمل شعلةً يشع نورها عاليًا من فوق رأسها، ومع مرور سفنٍ من دولٍ لا حصر لها تمر من تحتها كان سيُنظر لهذه الفلاحة المصرية كتجسيدٍ حقيقيٍّ لمصر وتقدمها.

بالرغم من إعجاب الخديوي إسماعيل بعرض بارتولدي، لكنّ بناء هذا التمثال العملاق كان مكلفًا جدًا، فقد كانت مصر تواجه أزمات مادية كانت على الأغلب سببًا لتوجيه الخديوي اهتمامه نحو أمورٍ أكثر أهميةً، وبالتالي أُوقِف هذا المشروع. إذا كانت فلاحة بارتولدي الهائلة تبدو مألوفةً، فذلك لأنه كان عازمًا أن يعيد استخدام تصميمه الملغي؛ بدأ بارتولدي بتغيير تفاصيل رسوماته ما بين عامي 1870 و1871، إذ حلّ الثوب اليوناني محل اللباس المصري المميز للمرأة، وانبعث الضوء من شعلتها بدلًا من فوق رأسها، وحلّ الإكليل محل غطاء رأسها، بينما حملت يدها اليسرى لوحًا. ولكن وفقًا للرسوم التخطيطية من عام 1869، كانت هذه العملاقة لا تزال تحمل شعلةً بذراعٍ ممدودةٍ وأخرى تضعها على خصرها، وتحت ما سيصبح “حرية أمريكا تنير العالم” لا تزال فلاحة مصر العملاقة “تحمل النور”.

  • ترجمة: رؤى عطاونة.
  • مراجعة: رأفت فياض.

المصدر

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

رؤى عطاونة

كتب بواسطة رؤى عطاونة

أديبة هاوية، أدرس اللغة الإنجليزية، مهتمة بالفلسفة والفن والتاريخ والسياسة، أسعى إلى إيصال المحتوى الفكري القيم إلى المجتمع العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

نوعان من الفردانية – بقلم فريدريك هايك