in

الفاشية الاقتصادية

الرأسمالية المخططة ما زالت قائمة

يفكر الناس عندما يسمعون كلمة “الفاشية fascism” بشكلٍ طبيعي في بشاعتها العنصرية ومعاداة السامية كما مارستها أنظمة موسوليني Mussolini وهتلرHitler الشمولية، ولكن كان هناك أيضًا عنصر السياسة الاقتصادية للفاشية، والذي عُرِفَ في أوروبا خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين باسم “التشاركية corporatism”، والذي كان مكونًا أساسيًا للشمولية الاقتصادية economic totalitarianism كما مارسها موسوليني وهتلر. تبنت كلٌّ من إيطاليا وألمانيا ما يُسمّى التشاركية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، واعتبرها عددٌ من المثقفين وصانعي السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا “قدوةً”. في الواقع، اعتُمِدت نسخةٌ من الفاشية الاقتصادية في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي، ولا تزال تطبق حتى يومنا هذا، ولكن لم تُسَمَّ هذه السياسات  بـ “الفاشية” بل بـ “الرأسمالية المخططة planned capitalism”. قد لا تكون كلمة الفاشية مقبولةً سياسيًا، لكن أصبح  مرادفها “السياسة الصناعية industrial policy” شائعًا كما كان دائمًا.

العالم الحر يغازل الفاشية

يدرك عددٌ قليل من الأمريكيين أو يتذكرون كيف نظر الكثير من الأمريكيين والأوروبيين إلى الفاشية الاقتصادية على أنها موجة المستقبل خلال الثلاثينيات؛ أعجِب السفير الأمريكي في إيطاليا، ريتشارد واشبورن تشايلد Richard Washburn Child، بـ “التشاركية” لدرجة أنه كتب في مقدمة سيرة موسوليني الذاتية عام 1928 أنه: “قد يكون من المتوقع ألا يُظهر أي رجلٍ أبعاد عظمةٍ دائمة كما يفعل موسوليني… إن الدوق هو الآن أعظم شخصية في هذا المكان والزمان”. وكتب ونستون تشرشل Winston Churchill في عام 1927: “إذا كنتُ إيطاليًا، فأنا متأكد من أنني كنت سأكون معك تمامًا مرتديًا القميص الأسود الفاشي”. حتى عام 1940، كان تشرشل لا يزال يصف موسوليني بأنه “رجل عظيم”.

في عام 1926 قال عضو الكونغرس الأمريكي سول بلوم Sol Bloom، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب: “سيكون موسوليني عظيمًا ليس فقط لإيطاليا، ولكن لنا جميعًا إذا نجح. إن إلهامه وتصميمه وكدّه المستمر هو الذي أعاد الحياة لإيطاليا حقًا”.

كان الاقتصادي لورانس دينيس Lawrence Dennis من أكثر الفاشيين الأمريكيين صراحةً، وقد أعلن في كتابه الصادر عام 1936 بعنوان “الفاشية الأمريكية القادمة The Coming American Fascism” أنه متأكد من أن المدافعين عن “أميركية القرن الثامن عشر 18th-century Americanism” سيبدون “أغبياء بنظر مواطنيهم”، وأن تبني الفاشية الاقتصادية سيقوّي “الروح الوطنية” ويضعها وراء “مشاريع الصالح العام والرقابة الاجتماعية public welfare and social control”. وفقًا لدينيس فقد كان العائق الكبير أمام تطور الفاشية الاقتصادية هو “القواعد الليبرالية للقانون أو الضمانات الدستورية للحقوق الخاصة”.

وربما كان الأكثر إعجابًا بالفاشية هم بعض المثقفين البريطانيين؛ أعلن جورج برنارد شوGeorge Bernard Shaw في عام 1927: “يجب أن يسعد زملاؤه الاشتراكيون بالعثور أخيرًا على اشتراكي [موسوليني] يتحدث ويفكر كما يفعل الحكام المسؤولون”، وقد ساعد شو في تشكيل الاتحاد البريطاني للفاشيين British Union of Fascists الذي تبنى “الخطط العامة للدولة التشاركية Outline of the Corporate State” على “النموذج الإيطالي”، وفقًا لمؤسس الحزب السير أوزوالد موزلي Sir Oswald Mosley؛ صرّح الكاتب الأمريكي عزرا باوند Ezra Pound خلال زيارته لإنكلترا : “يواصل موسوليني يواصل مهمة توماس جيفرسون”.

ولذلك، من المهم أن ندرك أنه الفاشية قد قُبِلَت كنظامِ اقتصادي على نطاقٍ واسع في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، كما أُدينت أعمال الأشخاص الفاشيين الشريرة في وقتٍ لاحق، دون إدانة الفاشية الاقتصادية نفسها. حتى يومنا هذا، يواصل غير المطلعين تاريخيًا تكرار الشعار المخيف أن موسوليني وعلى الرغم من جميع أخطائه “جعل القطارات تعمل في الوقت المحدد”، ملمحين إلى أن سياساته الصناعية التدخلية كانت ناجحة.

نظام “التشاركية” الإيطالي

توجد عدة ميزات رئيسية لما يُسمى “بالتشاركية” كما مارسها موسوليني وقدسها الكثير من المثقفين وصانعي السياسات، وهي:

الدولة قبل الفرد: يعرّف قاموس وبستر الجامعي الجديد Webster’s New Collegiate Dictionary الفاشية بأنها “فلسفة أو نظام أو حركة سياسية ترفع الأمة وغالبًا العرق على الفرد، وترمز إلى حكومةٍ مركزيةٍ واستبدادية”.

يتناقض هذا بشكلٍ صارخ مع الفكرة الليبرالية الكلاسيكية القائلة بأن لدى الأفراد حقوقًا طبيعيةً موجودة قبل وجود سلطة الدولة؛ وأن الحكومة لا تستمد “سلطاتها العادلة” إلا بموافقة المحكومين؛ وأن وظيفة الحكومة الأساسية هي حماية أرواح وحريات وممتلكات مواطنيها، وليس تعظيم الدولة.

اعتبر موسوليني هذه الأفكار الليبرالية (بالمعنى الأوروبي لكلمة “ليبرالي”) نقيضًا للفاشية: “يشدد مفهوم الفاشية للحياة على أهمية الدولة، ويقبل الفرد فقط بقدر ما تتوافق مصالحه مع مصالح الدولة. تعارض الفاشية الليبرالية الكلاسيكية التي أنكرت الدولة باسم الفرد، بينما تكرر الفاشية التأكيد على حقوق الدولة في التعبير عن جوهر الفرد الحقيقي”.

اعتقد موسوليني أنه من غير الطبيعي أن تحمي الحكومة حقوق الأفراد، وقد قال: “لا يبدو أن المبدأ القائل بأن المجتمع موجود فقط من أجل رفاهية وحرية الأفراد الذين يؤلفونه يتوافق مع خطط الطبيعة. إذا كانت الليبرالية الكلاسيكية تعني الفردانية، فإنّ الفاشية تعني الحكومة”.

وبالتالي فإن جوهر الفاشية هو أن الحكومة يجب أن تكون سيد الشعب وليس خادمته. فكروا جيدًا في الأمر: هل حقًا يعتقد شخصٌ ما في أمريكا أن هذا مختلف عن الواقع الآن؟ هل يخدم وكلاء خدمة الإيرادات الداخلية Internal Revenue Service الشعب حقًا؟ ألا تُعدّ “الخدمة الوطنية national service” الإلزامية للشباب، الموجودة حاليًا في عدة ولاياتٍ وهي جزءٌ من برنامجٍ ممولٍ فدراليًا، مثالًا كلاسيكيًا على إكراه الأفراد على خدمة الدولة؟ أليست الفكرة الكامنة وراء التنظيم والفوج الضخم للصناعة والمجتمع الأمريكي هي أن تحدد نخبةٌ حكومية صغيرة طرقًا يُجبر الأفراد على التصرف وفقًا لها؟ ألا يُعدّ تصريح رئيس إصلاح الرعاية الصحية في الولايات المتحدة مؤخرًا أن جراحة القلب لرجل يبلغ من العمر 92 عامًا كانت “هدرًا للموارد” مثالًا مثاليًا للفاشية، أي أن الدولة (وليس الأفراد) مَن يقرر من يستحق الحياة ومن يُعتبر “هدرًا”؟

كتب دستور الولايات المتحدة أفرادٌ يؤمنون بالفلسفة الليبرالية الكلاسيكية للحقوق الفردية ويسعون إلى حماية تلك الحقوق من التجاوزات الحكومية، ولكن وبسبب التأثير الشديد للفلسفة الفاشية/الجماعية فقد ألغت إصلاحاتٌ سياسية على مدى نصف القرن الماضي تقريبًا العديدَ من هذه الحقوق، وذلك من خلال تجاهل العديد من أحكام الدستور التي وُضِعت لحمايتها أساسًا. كما لاحظ الباحث القانوني ريتشارد إبشتاين Richard Epstein: “يجعلنا حق الاستملاك العام والبنود الموازية في الدستور نشك في العديد من الإصلاحات والمؤسسات البارزة في القرن العشرين، من مثل: تقسيم المناطق، وتحديد الإيجارات، وقوانين تعويضات العمال، والمدفوعات التحويلية، والضرائب التصاعدية”. من المهم ملاحظة أن معظم هذه الإصلاحات قد اعتُمِدت في البداية خلال الثلاثينيات عندما كانت الفلسفة الفاشية/الجماعية في أوجها.

الانسجام الصناعي المخطط: كانت إحدى الركائز الأساسية للتشاركية الإيطالية هي فكرة أن تدخلات الحكومة في الاقتصاد لا يجب أن تتم على أساس مخصص، ولكن يجب “تنسيقها” من قبل مجلس تخطيط مركزي central planning board. اشتكى موسوليني عام 1935 من كون التدخل الحكومي في إيطاليا “متنوعًا جدًا ومتغيرًا ومتباينًا. فالتدخل غير منظم وظرفي بحسب الحاجة”. صححت الفاشية ذلك من خلال توجيه الاقتصاد نحو “أهداف ثابتة معينة” و”إدخال النظام في المجال الاقتصادي”. وفقًا فاوستو بيتيلياني Fausto Pitigliani، وهو مستشار موسوليني، فإن التخطيط التشاركي يعطي تدخل الحكومة في الاقتصاد الإيطالي “وحدة الهدف” كما حدّده المخططون الحكوميون. 

عبّر كلٌّ من روبرت رايخ Robert Reich (وزير العمل الأمريكي الحالي) وأيرا ماجازينر Ira Magaziner (“قيصر Czar” إصلاح الرعاية الصحية للحكومة الفيدرالية) عن هذه الآراء الدقيقة في كتابهما Minding America’s Business: “من أجل مواجهة السوق غير المنتظمة untidy marketplace، يجب على السياسة الصناعية التدخلية أن تسعى جاهدةً لدمج النطاق الكامل للسياسات الحكومية المستهدفة، أي المشتريات والبحث والتطوير والتجارة ومكافحة الاحتكار والقروض الضريبية والإعانات، في استراتيجية متماسكة”.

يتحسر رايخ وماجازينر أن تدخلات السياسة الصناعية الحالية، ويقولان بأنها: “نتيجة قرارات مجزأة وغير منسقة اتخذها عددٌ من الوكالات التنفيذية المختلفة، والكونغرس، والوكالات التنظيمية المستقلة؛ لا توجد استراتيجية متكاملة لاستخدام هذه البرامج لتحسين الاقتصاد الأمريكي”.

كرر ماجازينر هذا الموضوع في كتابه “الحرب الصامتة The Silent War” عام 1989، وذلك من خلال الدفاع عن مجموعة منظمة مثل مجلس الأمن القومي national Security Council لتبني وجهة نظر صناعية وطنية استراتيجية. “أنشأ البيت الأبيض في الواقع “مجلس الأمن الاقتصادي القومي National Economic Security Council”. قّدم كل الدعاة الآخرين لـ “سياسة صناعية” تدخلية حجةً مماثلة لـ”وحدة الهدف”، كما وصفها بيتلياني Pitigliani  لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن.

شراكات بين الحكومة والأعمال: السمة الثالثة للفاشية الاقتصادية هي أنخا تسمح بالملكية الخاصة وملكية الأعمال، ولكن في الواقع تسيطر عليها الحكومة من خلال “شراكة” بين الحكومة وقطاع الأعمال. وكما ذكرت آين راند Ayn Rand في كثيرٍ من الأحيان، تكون الحكومة في شراكةٍ من هذا النوع “الشريك” الأكبر أو المهيمن دائمًا.

في إيطاليا تحت حكم موسوليني، جمعت الحكومة الشركات في “تنظيمات syndicates” معترف بها قانونًا مثل “الاتحاد الوطني الفاشي للتجارة” و”الاتحاد الوطني الفاشي للائتمان والتأمين”؛ نُسِّقت كل هذه “الاتحادات الفاشية” بواسطة شبكة من وكالات التخطيط الحكومية تُسمّى “نقابات corporations”، واحدة لكل صناعة. عمل “المجلس الوطني للنقابات National Council of Corporations” كمشرفٍ وطني على “النقابات” الفردية وكان له سلطة “إصدار لوائح ذات طابع إلزامي”. 

كان الغرض من هذا الترتيب التنظيمي البيزنطي تمكين الحكومة من “تأمين التعاون بين مختلف فئات المنتجين في كل تجارة معينة أو فرع من النشاط الإنتاجي”. كان “التعاون collaboration” الذي تديره الحكومة ضروريًا لأن “مبدأ المبادرة الخاصة” يمكن أن يكون مفيدًا فقط “في خدمة المصلحة الوطنية” كما يحددها البيروقراطيون الحكوميون.

توجد فكرة “التعاون” التي تفرضها وتسيطر عليها الحكومة في صميم جميع خطط السياسة الصناعية التدخلية. كتب رايخ وماجازينر: “ستتطلب السياسة الصناعية الناجحة تنسيقًا دقيقًا بين القطاعين العام والخاص؛ يجب على الحكومة والقطاع الخاص العمل جنبًا إلى جنب. يعتمد النجاح الاقتصادي الآن إلى درجة عالية على التنسيق والتعاون والاختيار الاستراتيجي الدقيق بتوجيه من الحكومة”.

وقد رددت منظمة اتحاد العمل الأمريكي وكونغرس المنظمات الصناعية AFL-CIO هذا الموضوع، داعيةً إلى “مجلس وطني ثلاثي لإعادة التصنيع يشمل ممثلين عن العمال والأعمال التجارية والحكومة” يفترض أن “يخطط” للاقتصاد. كما نشر مركز السياسة الوطنية Center for National Policy ومقره واشنطن العاصمة أيضًا تقريرًا كتبه رجال أعمال من شركات Lazard Freres وdu Pont وBurroughs وChrysler وElectronic Data Systems وغيرها من الشركات التي تروج لسياسة “جديدة” مزعومة على أساس “تعاون الحكومة مع قطاع الأعمال والعمل. يحث تقرير آخر أعدته منظمة “إعادة بناء أميركا Rebuild America” عام 1986، والتي شارك في إنشائها روبرت رايخ Robert Reich والاقتصاديون روبرت سولو Robert Solow، وليستر ثورو Lester Thurow، ولورا تايسون Laura Tyson، وبول كروغمان Paul Krugman، وبات شوات Pat Choate، ولورنس شيميرين Lawrence Chimerine، يحث على “المزيد من العمل الجماعي” من خلال “الشراكات بين القطاعين العام والخاص بين الحكومة وقطاع الأعمال والأوساط الأكاديمية”، كما يدعو هذا التقرير إلى تحديد “الأهداف والغايات الوطنية” التي وضعها مخططو الحكومة الذين سيضعون “استراتيجية استثمار شاملة” تسمح فقط بالاستثمار “المنتج” كما تحدده الحكومة.

المركنتلية والحمائية: عندما يبدأ السياسيون في الحديث عن “التعاون” مع الأعمال التجارية، يحين الوقت للاحتفاظ بمحفظتك. على الرغم من الخطاب الفاشي حول “التعاون الوطني national collaboration” والعمل من أجل المصالح الوطنية، عوضًا عن المصالح الخاصة، فإن الحقيقة هي أن الممارسات التجارية والحمائية قد طغت على النظام. كتب الناقد الاجتماعي الإيطالي غايتانو سالفيميني Gaetano Salvemini عام 1936: ” أصبحت الدولة (أي دافع الضرائب) في ظل التشاركية هي المسؤولة عن المشاريع الخاصة؛ ففي إيطاليا الفاشية، تدفع الدولة ثمن أخطاء المشاريع الخاصة. في الفترة عندما كانت الأعمال جيدة بقي الربح للمبادرة الخاصة، ولكن عندما جاء الكساد، أضافت الحكومة الخسارة لعبء دافع الضرائب؛ الربح خاص وفردي، بينما الخسارة عامة واجتماعية”.

جاء في افتتاحية صحيفة “ذي إيكونوميست The Economist” في 27 تموز/يوليو 1935: “تسعى الدولة الإيطالية فقط إلى إنشاء بيروقراطية جديدة ومكلفة تُمكِّن الصناعيين الذين يمكنهم إنفاق المبلغ الضروري من الحصول على كل ما يريدون تقريبًا، وتطبيق أسوأ نوع من الممارسات الاحتكارية على حساب الزميل الصغير الذي تضغط عليه هذه العملية”، وبعبارةٍ أخرى، فإن التشاركية هي نظام ضخم لرفاهية الشركات Corporate Welfare. تفاخر موسوليني في عام 1934 بأن ” الحكومة كانت تدعم ثلاثة أرباع النظام الاقتصادي الإيطالي”.

إذا كان هذا يبدو مألوفًا، فذلك لأنه بالضبط نتيجة للدعم الزراعي agricultural subsidies، وبنك التصدير والاستيراد Export-Import bank، والقروض المضمونة للمقترضين التجاريين “المفضلين”، والحمائية، وإنقاذ شركة كرايسلر Chrysler، والامتياز الاحتكاري، والعديد من الأشكال الأخرى لرعاية الشركات التي يدفعها دافع الضرائب الأمريكي بشكلٍ مباشر أو غير مباشر.

حصل التبادل المستمر للموظفين بين الخدمة المدنية والأعمال الخاصة كنتيجةٍ أخرى “للتعاون” الوثيق بين الأعمال والحكومة في إيطاليا كانت. وبسبب هذا التبادل بين الأعمال والحكومة، أنشأ موسوليني “دولةً داخل الدولة لخدمة المصالح الخاصة التي لا تنسجم دائمًا مع المصالح العامة للأمة”.

كان هذا التعاون والتبادل كبيرًا، وكمثال على ذلك: كان سينيور كايانو Signor Caiano، أحد كبار مستشاري موسوليني، ضابطًا في البحرية الملكية قبل وأثناء الحرب، وعندما انتهت الحرب انضم إلى شركة أورلاندو Orlando لبناء السفن، ودخل حكومة موسوليني في أكتوبر/تشرين الأول 1922، وأصبح دعم البناء البحري والبحرية التجارية تحت سيطرة إدارته. بعد نهاية الحرب، غادر الجنرال كافاليرو General Cavallero الجيش ودخل شركة بيرلي روبر Pirelli Rubber Company، وفي عام 1925 أصبح وكيلًا لوزارة الحرب؛ وفي عام 1930 غادر وزارة الحرب، ودخل خدمة شركة أنسالدو Ansaldo للتسلح؛ يتضح من ذلك هيمنة الجنرالات المتقاعدين والجنرالات في الخدمة على أعلى المراكز الإدارية في الشركات الكبرى في إيطاليا بعد بروز الفاشية.

أصبحت هذه الممارسات شائعة جدًا في الولايات المتحدة، خاصة في الصناعات الدفاعية، لدرجة أنها لا تحتاج إلى مزيد من التعليق.

من منظور اقتصادي، عنت الفاشية (ولا تزال تعني في الحاضر) سياسةً صناعيةً تدخلية، ومركنتلية، وحمائية، وأيديولوجية تجعل الفرد خاضعًا للدولة. يمكن وصف الفلسفة الاقتصادية الفاشية وصفًا مناسبًا كالتالي: “لا تسأل عما يمكن أن تفعله الدولة من أجلك، ولكن ما يمكنك القيام به من أجل الدولة”.

الفكرة الكاملة وراء مبدأ الجماعية بشكلٍ عام والفاشية بشكلٍ خاص هي جعل المواطنين خاضعين للدولة ووضع السلطة على تخصيص الموارد في أيدي النخبة القليلة، وكما ذكر الاقتصادي الفاشي الأمريكي لورانس دينيس Lawrence Dennis: “لا تقبل الفاشية العقائد الليبرالية فيما يتعلق بسيادة المستهلك أو التاجر في السوق الحرة”،  إذ يعتبر حرية السوق وفرصة تحقيق أرباح تنافسية حقوقًا فردية، ومثل هذه القرارات يجب أن تتخذها “الطبقة المهيمنة” التي سمّاها “النخبة”.

الفاشية الاقتصادية الألمانية

اتبعت الفاشية الاقتصادية في ألمانيا مسارًا مطابقًا تقريبًا؛ كان بول لينش Paul Lensch أحد الآباء المثقفين للفاشية الألمانية، وأعلن في “كتابه ثلاث سنوات من الثورة العالمية Three Years of World Revolution”: “يجب أن تقدم الاشتراكية معارضةً واعيةً وحازمةً للفردية”. عبّرت الفلسفة الفاشية الألمانية عن نفسها بشعار، Gemeinnutz geht vor Eigennutz، مما يعني أن “الصالح العام يأتي قبل الصالح الخاص”. قال هتلر Hitler في كتابه “كفاحي Mein Kampf”: “إن الآري ليس الأعظم في صفاته العقلية، ولكن في أفضل صوره النبيلة يُخضع نفسه عن طيب خاطر للمجتمع، وإذا تتطلب الأمر، فإنه حتى يضحي بها”، فليس للفرد “حقوقًا بل واجباتٍ فقط”.

اتبع الاشتراكيون الوطنيون في ألمانيا، اعتمادًا على هذه الفلسفة، سياساتٍ اقتصاديةً مشابهةً جدًا لسياسات إيطاليا: “التشاركية” التي تفرضها الحكومة بين الأعمال التجارية والحكومة والنقابات، ينظمها نظام “غرف اقتصادية” إقليمية، وتشرف عليها جميعًا وزارة الاقتصاد الفيدرالية.

تم تبني “برنامج الحزب” المكون من 25 نقطة في عام 1925 مع عدد من “مطالب” السياسة الاقتصادية، وكانت جميعها تبدأ بالبيان العام القائل بأن: “يجب ألا تتعارض أنشطة الفرد مع مصالح الجميع، لكن يجب أن تكون من أجل الصالح العام”. غذّت هذه الفلسفة هجومًا تنظيميًا على القطاع الخاص. وحذر النازيون: “نحن نطالب بحرب لا هوادة فيها على جميع من تضررت أنشطتهم من أجل المصلحة المشتركة”. ومن هؤلاء الذين ستشن عليهم “الحرب”؟ “المجرمون العاديون”، من مثل المرابين، أي المصرفيين، والمُستغِلين، أي رجال الأعمال العاديين بشكلٍ عام. من بين السياسات الأخرى التي طالب بها النازيون: إلغاء الفائدة، ونظام للضمان الاجتماعي تديره الحكومة، وقدرة الحكومة على مصادرة الأراضي دون تعويض (تنظيم الأراضي الرطبة wetlands regulation)، واحتكار الحكومة للتعليم؛ وهجوم عام على ريادة الأعمال في القطاع الخاص الذي استُنكِرَ باعتباره “الروح المادية اليهودية”. ذكر هتلر في أحد خطاباته: “إن الحزب مقتنع بأن أمتنا لا يمكنها أن تحقق الصحة الدائمة من الداخل إلا على مبدأ: المصلحة المشتركة قبل المصلحة الذاتية”.

الاستنتاجات

عمليًا، تم تبني جميع السياسات الاقتصادية المحددة التي دعا إليها الفاشيون الإيطاليون والألمان في الثلاثينيات وأيضًا في الولايات المتحدة بشكلٍ ما، ولا تزال تُعتمد حتى يومنا هذا. قام أولئك الذين تبنوا هذه السياسات التدخلية في إيطاليا وألمانيا بذلك لأنهم أرادوا تدمير الحرية الاقتصادية والمشاريع الحرة والفردانية، ويمكنهم أن يأملوا في تحقيق نوع الدولة الشمولية التي كانت في ذهنهم فقط إذا أُلغيَت هذه المؤسسات.

كان عدد من السياسيين الأمريكيين الذين دافعوا عن سيطرة الحكومة بشكلٍ أو بآخر على النشاط الاقتصادي أكثر مراوغةً في أسلوبهم، لقد دافعوا عن العديد من السياسات نفسها واعتمدوها، لكنهم أدركوا دائمًا أن الهجمات المباشرة على الملكية الخاصة، والمشاريع الحرة، والحكم الذاتي، والحرية الفردية ليست مقبولة سياسيًا بالنسبة لغالبية الناخبين الأمريكيين، ولذلك فقد طبقوا العديد من السياسات الضريبية والتنظيمية وتحويل الدخل التي تحقق أهداف الفاشية الاقتصادية، ولكنهم مرروها باستخدام خطابٍ خادعٍ حول رغبتهم المزعومة فقط في “إنقاذ” الرأسمالية.

لقد اتخذ السياسيون الأمريكيون منذ فترة طويلة أسلوب المراوغة هذا من فرانكلين روزفلت Franklin D. Roosevelt، الذي سوق إدارة الانتعاش الوطنية National Recovery Administration (التي حُكِم عليها في النهاية بأنها غير دستورية) على أساس أنه ” يجب قبول القيود الحكومية من الآن فصاعدًا ليس لإعاقة الفردانية ولكن لحمايتها”. في مثالٍ كلاسيكي للخطاب الأورويلي المزدوج، جادل روزفلت بأنه يجب تدمير الفردانية من أجل حمايتها.

الآن بعد انهيار الاشتراكية، وعدم استمراريتها في أي مكان غير في كوبا والصين وفيتنام وفي حرم الجامعات الأمريكية، فإن أكبر تهديد للحرية الاقتصادية والحرية الفردية يكمن في الفاشية الاقتصادية الجديدة؛ لا تزال الدول الشيوعية السايقة تعاني من الضوابط الحكومية في حين تحاول خصخصة أكبر عدد ممكن من الصناعات بأسرع ما يمكن، تعتمد هذه الضوابط لها اقتصادات فاشية في الأساس: يُسمَح بالملكية الخاصة والمشاريع الخاصة، ولكن تتحكم الحكومة فيها وتنظمها بشكل كبير.

في الوقت الذي يكافح معظم العالم من أجل خصخصة الصناعة وتشجيع المشاريع الحرة، فإنه في الولايات المتحدة يُناقش بجدية ما إذا كان ينبغي اعتماد الفاشية الاقتصادية في حقبة الثلاثينيات كمبدأ تنظيمي لنظام الرعاية الصحية بأكمله، والذي يمثل 14% من الناتج القومي الإجمالي GNP، كما يفكّر البعض أيضًا في “شراكات” بين الحكومة وقطاع الأعمال في صناعات السيارات وشركات الطيران والاتصالات وأمور أخرى، واعتماد سياسات تجارية تديرها الحكومة، أيضًا بروح خطط التشاركية الأوروبية في الثلاثينيات.

إن الدولة ومبرروها الأكاديميون ماهرون للغاية في توليد الدعاية لدعم مثل هذه المخططات، بحيث لا يدرك الأمريكيون في الغالب التهديد الرهيب الذي يشكلونه لمستقبل الحرية. الطريق إلى العبودية مليءٌ بالعلامات التي تشير إلى “طريق المعلومات السريع” و”الأمن الصحي” و”الخدمة الوطنية” و”التجارة المنظمة” و”السياسة الصناعية”.

المصدر

  • ترجمة: مارك بو فاضل.
  • مراجعة: محمد مطيع.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

مارك بو فاضل

كتب بواسطة مارك بو فاضل

رائد أعمال لبناني؛ متخصص في الإدارة و الابتكار؛ مهتم بالفلسفة السياسية والاقتصاد؛ مدافع عن حرية الفرد و الحقيقة الموضوعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الفلسفة

الفلسفة في وقت الأزمة

كيف نجحت القيم الليبرالية و مبدأ تقسيم العمل في القضاء على قيمة الحرب؟