in

كيف تتسبب الضرائب والتعاريف الجمركية في موت مئات النساء في سريلانكا سنويا؟

إزالة العوائق التي تعترض سبيل المرأة ~ معهد Advocata  – سريلانكا

مقدمة

حتى وقت قریب، كانت الحكومة السریلانكية تفرض ضرائب على المنتجات الصحیة النسائیة بنسـبة تفوق ال 100%، مما جعل النساء في سریلانكا غير قادرات على تحمل تكلفة حاجيات ضروریة وأساسـیة. وعلى الرغم من الصمت الذي یلف هذه القضیة، تحمل معهد Advocata المسؤولیة بشجاعة لیصبح صوت لمن لا صوت لهن.

“لم يكن عمل Advocata سببا في خلق نقاش مهم فحسب، بل أدى أيضًا إلى خفض حاد في الضريبة على الفوط الصحية التي مست بكرامة النساء بفعل الحؤول دون اقتنائهن سلعة ضرورية كهذه.”

تتلخص رؤية معهد Advocata لسريلانكا، في أن تصبح البلاد أكثر حرية، وانفتاحًا، وازدهارًا. ويهدف عمل المنظمة إلى جعل سريلانكا بلد الفرص لأي شخص يريد العمل بجد ويهدف إلى تحقيق النجاح. 

في بلد یضم 2.4 ملیون امرأة، تسـتعمل 30 ٪فقط من النساء الفوط الصحیة، في حين تلجأ 70% المتبقية إلى اسـتخدام قطع القماش، مما يشكل مخاطر على صحتهن. اسـتمر هذا الظلم دون اعتراض أو رد فعل لمدة سـنوات. فالمجتمع السریلانكي يعتبر الدورة الشهرية للإناث “غير نظیفة” وینظر إليها بازدراء، وغالبا ما تكون المرأة غير مرحب بها في منازلهن وفي المدرسة أثناء فترة الحیض. 

واجه معهد Advocata ثقافة الصمت في سریلانكا عن طریق إخراج الموضوع إلى الواقع وطرحه على طاولة النقاش. نشر أبحاثا رائدة حول فرض الضرائب غير العادلة على هذه المسـتلزمات الصحیة إلى أن دفع المسؤولين الحكوميين إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة. وبفضل جهودAdvocata ، تم إلغاء تعریفة 30% على اسـتيراد المنتجات الصحیة النسائیة في سریلانكا، وتم تخفيض الضریبة الإجمالیة على المنتجات الصحیة النسائیة إلى حوالي 63% بعدما كانت تصل إلى101.2% سابقا. في هذا السـیاق، قال وزير المالیة السریلانكي، مانغالا ساماراويرا Samaraweera Mangala، لمؤسسة طومسون رویترزFoundation Reuters Thomson بأنه یدرس كیفية القيام بخفض الضرائب إلى مسـتوى أقل على المنتجات الصحیة.

توصلت دراسة للأمم المتحدة إلى أن 60% من المدرسين في سريلانكا يعتقدون أن دم الحيض نجس، ولهذا السبب، تغيبت 60% من الفتيات عن المدرسة مرة في الشهر على الأقل خلال دورتهن الشهرية، وغالبًا ما تضطر النساء على ترك منازلهن خلال فترة الحيض،  فتموت بعضهن،  والأخريات يصبن بأمراض. وجميعهن يتعرضن للعزلة والتمييز. باختصار، يتم تجريد المرأة من كرامتها لأن ثقافة البلد لا تحب التعامل مع الدورة الشهرية الطبيعية للنساء.

إن هذه النظرة الدونية للتغيرات الهرمونية الأنثوية ليست سائدة في المجتمع السريلانكي فحسب، بل تغلغلت حتى أصابت البنية الحكومية و الطريقة التي تفرض بها الضرائب على المنتجات النسائية.

وحسب تعبير أنوكي بريماشاندرا Anuki Premachandra، مدير الأنشطة التواصلية البحثية في Advocata: “فإن النساء تواجه في جنوب آسيا عادة  ثقافة الصمت التي يمليها الظلم وكراهية النساء … وكأمة، نظل بعيدين عن الإرث والوضع السابق، ولكن لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه. يقتصر دور المرأة في المجتمع السريلانكي على تقديم الرعاية فقط، والمعركة التي تدور من أجل تحدي هذه القاعدة هي المعركة التي نكافح من أجلها يوميًا. وعلى الرغم من أن سريلانكا تعتبر من أوائل الدول التي تشغل فيها امرأة منصب رئيس الوزراء، إلا أنه لا يُنظر إلى النساء كما ينبغي، ولا تناط بهن أدوار قيادية وسياسية. فربما كان هذا هو السبب في وجود ضرائب مرتفعة على مستلزمات ضرورية كالفوط الصحية، إذ لم يكن هناك من يعترض على هذه الضرائب حتى قام معهد Advocata بتسليط الضوء على هذه الأرقام”.

نبذة عن المشروع

أدرك معهد Advocata أن محدودیة الحصول على الفوط الصحیة یعتبر شيء مضرا، لكنهم كانوا بحاجة إلى معرفة السبب وكیفية تأثير ذ على النساء. و بسبب الطبیعة الحساسة لهذه المعركة، لم يتمكن المعهد من الاسـتفادة من التجارب الواقعیة المختلفة لشرح أهمیة هذه القضیة. لم يكن بإمكان الفریق سوى اللجوء إلى البیانات الخاصة بالفتيات اللواتي تغیبن عن المدرسة بسبب دورتهن الشهریة والمواقف العامة تجاه الحیض من الیونيسف UNICEF ومجموعات أخرى، رغم إدراكهم لأهمیة الروايات الواقعیة في خلق المزید من النجاح.

ولتحقيق هذه الغاية، قام معهد Advocata بدراسة استقصائية للمستهلكين لمعرفة المزيد عن مدى تأثير محدودية الوصول إلى الفوط الصحية على النساء في سريلانكا، وما توصلوا له من هذه الدراسة هو أن 50% على الأقل من النساء ذوات الدخل المنخفض لا يستخدمن الفوط الصحية. 

كانت البدائل المتاحة مثل قطع القماش، غير صحیة وغير آمنة. ولكن بسبب الوصمة الثقافية التي تحیط بالصحة الإنجابیة للمرأة، لم یدرك صناع القرار كیف یؤثر هذا البدیل غير الصحي سلبا على النساء. يمكن أن تؤدي قلة النظافة الناجمة عن اسـتعمال قطع القماش إلى سرطان عنق الرحم، وهو  ثاني أكثر أنواع السرطانات شـیوعا بين النساء السريلانكيات. فوفقا لمركز معلومات فيروس الورم الحليمي البشري HPVCenter Information ،تشير التقديرات الحالیة إلى أن كل سـنة، یتم تشخیص 1721  إصابة بسرطان عنق الرحم الذي یتسبب في وفاة 690 امرأة.

قالت بريماشاندرا في هذا الإطار: “إن مجرد فرض ضرائب مرتفعة للغایة على ضرورة مثل هذه، يظهر مدى سوء تمثیل النساء في الحیاة الیومية هنا… ننشأ في ثقافة حيث موضوع الحیض والأنوثة یبقى مخفيا ولا یتم تقبله. لن یؤدي عبء ضریبي من هذا القبیل إلا للمزید من الإساءة لكرامة المرأة”. 

تسلح معهد Advocata بالحقائق وبنظرة مفصلة حول القضايا التي تعاني منها النساء السريلانكيات، فبات قادرا على التركيز على الرسائل الفعالة والحجج المقنعة لتبيان حاجة البلاد إلى إصلاح الطریقة التي تفرض بها الضرائب على المنتجات النسائیة.  

يتعدى القمع الثقافي السريلانكي للمرأة الضرائب المفروضة على المنتجات النسائية، والذي يؤثر على الاقتصاد الكلي للبلاد، ليؤزم وضعهن الاجتماعي أيضا. على سبيل المثال، إن عمل النساء بعد الساعة الثامنة ليلا يعد أمرا غير قانوني. ويعتبر تقييد حرياتهم وحقهن في كسب الرزق أمرا مضرا بطريقة مهولة لنصف سكان سريلانكا. ولهذا السبب خرج معهد Advocata للوجود للدفاع عنهم، فالنساء قادرات على توجيه أموالهن وفقا ما يتماشى مع رغباتهن.

قال دين جايامان Deane Jayamanne، مؤسس مشارك ومدير معهد Advocata: “أصبحتُ أبا قبل عامين تقريبا ولاحظت أن الحفاضات في سريلانكا كانت أكثر تكلفة من الولايات المتحدة الأمريكية … إنها مكلفة للغاية. هناك شبكة سرية من مهربي الحفاضات… وفي هذا الصدد، قام الباحث حول قضية إصلاح التعريفة بنشر بعض الأعمال البحثية، واكتشف أن نسبة الضريبة على الحفاضات تصل إلى 62%. أما نحن، فقد توصلنا إلى أن الضريبة على الفوط الصحية بلغت نسبة 100%. لذا، قمنا بتقديم البيانات إلى بعض المؤسسات الإعلامية، ما منح القضية صدا كبيرا.”

أدى رفع الغطاء عن  قضية الضرائب الصارمة المفروضة على المنتجات النسائية في سريلانكا إلى موجة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي.وكانت محاولة تسخير وتعزيز التوسع الرقمي للمساعدة في دعم حملة معهد Advocata أمرا جديدا بالنسبة للمنظمة. لم يكن لدى الفريق أي علم أو فهم دقيق لكيفية الاستفادة من وسائل التواصل الجديدة هذه في البداية. لقد تجلت التحديات الرئيسية بالنسبة لهم في تحديد الجمهور المستهدف لكي لا تضيع جهودهم سدى على منصات التواصل الاجتماعي.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تشكل أهمية كبرى في هذه المعركة. فالجهود التقليدية القائمة على البحث الأكاديمي المحض، لم تكن مثمرة. ببيد أن عملية نقل هذه القضية إلى النقاش العام مكن، وبشكل كبير من تغيير النظرة التقليدية العامة. فبمجرد أن تمكن المعهد من الوصول إلى جمهور يهتم بقضية الضريبة المرتفعة على المنتجات النسائية، وجدوا أنهم كانوا قادرين على تأجيج نار التغيير عن طريق تزويد هذا الجمهور برسومات، منشورات قصيرة، ومقاطع فيديو مكنت الناس بالدفاع عن أنفسهم.  

لقد كانت تكتيكاتهم وخططهم ناجحة. تسبب الغضب العام في دفع المسئول الحكومي المكلف بالسياسة الضريبية إلى إعادة فتح ملف هذه القضية. وفي نهاية المطاف، أعاد النظر في هذه الضريبة بعد ضغط شعبي كبير. 

يقول دانانات فيرناندو Dhananath Fernando، مدير العمليات في معهد Advocata: “إن حرية التجارة من شأنها أن توفر السلع والخدمات المتعلقة بالنظافة الصحية للمرأة من خلال هذا الإصلاح… والأهم من ذلك، سيوفر هذا الأخير الفرصة لتحسين سلوكيات النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية لدى النساء اللواتي يشكلن 52% من سكان سريلانكا.”

في الحقيقة، يعتبر خفض الضرائب المفروضة على الفوط الصحية خطوة مهمة في معركة طويلة يسعى من خلالها معهد Advocata إلى تحسين وضع الحريات الاقتصادية في البلاد. كان نجاح Advocata فوزًا للأسواق الحرة والنساء على حد سواء في سريلانكا 

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

17 Points
Upvote Downvote

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

تعليق واحد

أترك تعليقاً
  1. جيد مقال جيد و مفيد
    لكن ممكن مقال عن تجربة الأسترالية، النيوزيلندية في السوق الحر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كهرباء فعالة في لبنان

توسيع نطاق الوصول إلى كهرباء فعالة في لبنان: القطاع الخاص مقابل الاحتكار الحكومي

تمثال الحرية

إسقاطات حرب النجوم على أرض الواقع