الديمقراطية
الاشتراكية
in , ,

الديمقراطية الاشتراكية – هانز هيرمان هوبه

الديمقراطية الاشتراكية – هانز هيرمان هوبه – كانت التجربة المخيبة للآمال للاشتراكية مع النموذج الروسي، أكثر بكثير من مجرد جدال نظري، ما أدى إلى تراجع مستمر في شعبية الاشتراكية الماركسية التقليدية، وشجّع على ظهور وتطور الديمقراطية الاشتراكية الاجتماعية الحديثة.

نموذجا الاشتراكية كلاهما، بالتأكيد، مشتقان من نفس المصادر الأيديولوجية (1). كلاهما متساويان في التحفيز والمكافأة، نظريًا على الأقل (2)، ولكليهما الهدف الأساسي نفسه:  إلغاء الرأسمالية كنظام اجتماعي قائم على الملكية الخاصة وإقامة مجتمع جديد يتميز بالتضامن الأخوي والقضاء على الخصاصة؛ أي مجتمع يقبض فيه الجميع “حسب احتياجاتهم”.

منذ البدايات المبكرة للحركة الاشتراكية في منتصف القرن التاسع عشر، تضاربت الأفكار حول الطرق الأنسب لتحقيق هذه الأهداف. في حين كان هناك اتفاق عام على ضرورة جعل وسائل الإنتاج مجتمعية (اشتراكية)، لطالما تباينت الآراء حول كيفية المضي قدمًا. فمن جهة، كان هناك دعاة لمسار العمل الثوري داخل الحركة الاشتراكية، الذين أشاعوا الانقلابات العنيفة ضد الحكومات القائمة، وتجريد الرأسماليين من ممتلكاتهم بضربةٍ واحدة، ودكتاتورية البروليتاريا المؤقتة (أي، حتى يتحقق القضاء على الاحتياج بالفعل، كما وعدوا)، والبروليتاريون هم من لم يكونوا رأسماليين ولكنهم اضطروا لبيع خدمات العمل الخاصة بهم من أجل تحقيق الاستقرار في النظام الجديد.

من جهةٍ أخرى، كان هناك الإصلاحيون الذين دافعوا عن نهج تدريجي؛ لقد ظنوا أنه مع توسيع الحقوق الدستورية ونظام انتخابي شامل، يمكن تحقيق انتصار الاشتراكية من خلال العمل البرلماني الديمقراطي. قد يكون هذا هو الحال لأنه وحسب العقيدة الاشتراكية المشتركة ستؤدي الرأسمالية إلى ميلٍ نحو البروليتاريا في المجتمع، أي أن عددًا قليلًا من الناس سيتجه إلى العمل لحسابهم الخاص وعددًا أكبر سيميلون ليصبحوا موظفين بدلًا من ذلك. ووفقًا للمعتقدات الاشتراكية المشتركة، فإن هذا الاتجاه سوف ينتج بدوره وعيًا بروليتاريًا موحدًا على نحوٍ متزايدٍ سيؤدي بعد ذلك إلى إقبال الناخبين المتزايد على الحزب الاشتراكي. ولذلك، فكروا، حيث أن هذه الإستراتيجية كانت متماشية أكثر مع الرأي العام (أي أكثر جاذبيةً للعمال الذين يملكون أفكارًا سلميةً وفي نفس الوقت أقل خوفًا من الرأسماليين)، أنه من خلال تبنيها فإن النجاح النهائي للاشتراكية سيصبح مضمونًا بشكلٍ أكبر.

تعايشت كلتا القوتين داخل الحركة الاشتراكية، رغم أن علاقتهما كانت متوترة في بعض الأحيان في الممارسة العملية، حتى الثورة البلشفية في تشرين الأول/أكتوبر 1917 في روسيا. سلكت الحركة الاشتراكية عمومًا المسار الإصلاحي، بينما سيطر الثوريون في مجال النقاش الإيديولوجي (3). غيرت الأحداث الروسية هذا.

في ظل قيادة لينين، حقق الاشتراكيون الثوريون برنامجهم للمرة الأولى، وكان على الحركة الاشتراكية ككل أن تقف في مواجهة التجربة الروسية. وبالنتيجة، انقسمت الحركة الاشتراكية إلى فرعين مع حزبين منفصلين: حزب شيوعي مؤيد للأحداث الروسية بشكلٍ أو بآخر، وحزب اشتراكي أو اشتراكي ديمقراطي لديه تحفظات أو يعارض هذه الأحداث. ومع ذلك، لم يكن الانقسام حول مسألة التنشئة الاجتماعية؛ إذ أيّدها الفرعان، ولكن الانقسام مفتوحًا حول قضية التغيير البرلماني الثوري مقابل التغيير الديمقراطي.

في مواجهة التجربة الفعلية للثورة الروسية (العنف، وإراقة الدماء، وممارسة المصادرة غير الخاضعة للرقابة، وحقيقة كون آلاف القادة الجدد في كثير من الأحيان ذوي سمعةٍ مشكوك فيها أو ببساطة أشخاصًا مغمورين وغير بارعين انقادوا إلى الإدارة السياسية) شعر الديمقراطيون الاشتراكيون في محاولتهم للحصول على دعم شعبي أنهم اضطروا إلى التخلي عن صورتهم الثورية، وأن يصبحوا حزبًا إصلاحيًا وديموقراطيًا، ليس فقط من الناحية العملية بل من الناحية النظرية أيضًا. حتى أن بعض الأحزاب الشيوعية المؤيدة لنظرية التغيير الثوري في الغرب، والتي كانت بحاجة إلى الدعم الشعبي، شعرت أنها بحاجة إلى إيجاد بعض الأخطاء، على الأقل مع الطريقة البلشفية الغريبة في تنفيذ الثورة؛ لقد اعتقدوا بشكلٍ متزايد أنه من الضروري لعب اللعبة الديمقراطية الإصلاحية، حتى لو كان ذلك في الممارسة العملية فقط.

ومع ذلك، لم تكن تلك سوى الخطوة الأولى في تحول الحركة الاشتراكية التي تأثرت بتجربة الثورة الروسية. أما الخطوة التالية، فقد فرضتها التجربة المظلمة للأداء الاقتصادي في روسيا السوفيتية. بغض النظر عن وجهات نظرهم المختلفة حول مدى استحسان حدوث تغييرات ثورية، وعن قدرتهم أو رغبتهم في فهم المنطق الاقتصادي المجرد، لا يزال كلٌّ من الاشتراكيين والشيوعيين يفكرون في الآمال الوهمية حول الإنجازات الاقتصادية للسياسات الاشتراكية خلال فترة شهر العسل التي شعروا أن التجربة الجديدة تستحقها. لكن لا يمكن لهذه الفترة أن تستمر إلى الأبد، وكان لا بدَّ من مواجهة الحقائق وتقييم النتائج بعد مرور بعض من الوقت.

أصبح من الواضح بالنسبة لكل مراقبٍ محايدٍ للأشياء، ولاحقًا لكل زائر ومسافر متنبّه، أن الاشتراكية على الطريقة الروسية لم تكن تعني ثروةً أكثر إنما في الواقع ثروةً أقل، بل كانت نظامًا قد اعترف بالفعل (ولو ضمنيًا) بفشله الاقتصادي، وذلك من خلال الاضطرار إلى السماح بمنافذَ صغيرة لتكوين رأس المال الخاص.

الديمقراطية الاشتراكية – هانز هيرمان هوبه

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

رأفت فياض

كتب بواسطة رأفت فياض

مهندس مدني؛ مهتم بالليبرالية وعلوم الاقتصاد؛ مؤمن بأن حقوق المجتمعات والجماعات تأتي من حقوق الأفراد المستقلين لأن كل فرد جماعة مستقلة.

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

البطل بألف وجه

مراجعة كتاب: البطل بألف وجه – أو كيف تصبح بطلا – الجزء الأول

طلاب من أجل الحرية

طلاب من أجل الحرية تحط رحالها بمنطقة MENA وتناقش واقعها الاقتصادي إبان الجائحة