in

هل يتعارض إجراء الحجر الصحي مع الليبرالية والفردانية من منظور الأخلاق النفعية؟

خلال هذه الأوضاع التي يعيشها العالم جراء جائحة كورونا، يجادل عدد من الناس بأن هذه الظروف أجهزت على اللبيرالية الكلاسيكية وعرّت الفردانية؛ هذه الأخيرة التي فشلت في نظرهم أمام التدخلات الحاسمة والصارمة من السلطة بغية حفظ الصالح العام من الهلاك ضد الفرد وإرادته التي تجعلها الليبرالية دائمًا في الدرجة الأولى.

لكن هذا الكلام لا يبدو أنه يستقيم استدلاليًا، لأن الفرضية التي ينطلق منها والتي تصل بنا إلى النتيجة الموجودة أعلاه في العنوان، هي فرضية خاطئة كما سنبيّن.

تفترض هذه الفرضية أن العلاقة بين مصلحة الفرد الخاصة والمصلحة العامة هي بالضرورة علاقة تعارض وتناقض، وليست علاقة تفاعل وانسجام، وبالتالي تعتقد أن تحقيق المنفعة للصالح العام ضمن إجراء الحجر الصحي، سيتحقق ولكن بعد ضرب المصلحة الخاصة للفرد والتدخل ضد إرادته ورغبته.

 فهل هذا صحيح؟

الفلسفة النفعية

صحيح أن حالات الطوارئ وإجراء الحجر الصحي ضيّقت على العديد من حريات الأفراد وسيستمر هذا التضييق لفترةٍ مؤقتةٍ، وذلك من أجل مواجهة هذه الجائحة، لكن هذا الأمر لا يشكّل أي مشكلةٍ للفردانية خاصةً تلك التي تتضمنها الليبرالية الكلاسيكية، وإذا نظرنا إلى الحجر الصحي من منظور “النفعية” Utilitarianisme، والتي تُعدّ مكانتها مهمةً عند مجموعةٍ من فلاسفة الليبرالية الكلاسيكية، قد تتضح لنا الأمور أكثر.

إن هذه الفلسفة هي من النظريات الأخلاقية التطبيقية Practical Ethics كما أوضحها عالم الأخلاقيات “بيتر سينجر”، وهي تحاول من منطلق الحاجيات الإنسانية وضع مقياس من أجل الإجابة على سؤال “ماذا أفعل؟”؛ إذ تعتبر النظرية الأخلاقية النفعية أن السلوك أو الفعل أو الإجراء الصائب هو الذي يسبب نتائجَ أو عواقبَ نافعةً تشمل أكبر عدد من الناس، بينما السلوك الخاطئ هو الذي يذهب عكس ذلك.

كانت هذه الفلسفة الأخلاقية محط جدل بين الناس، لأنها لم تنطلق من التشريعات الدينية أو الأعراف الاجتماعية للخوض في مسألة الأخلاق، كما أنها اتُّهمت بالأنانية، وذلك بسبب لفظ “النفعية” الذي قد يحيل في المخيال الجماعي إلى مفاهيم قد تُعتبَر دنيئةً مثل الجشع و الغرور و الطمع… اعتبر “كارل ماركس” في كتابه “رأس المال” Das Capital أن هذه الفلسفة تجعل من الفرد لا يبحث إلا عن مصالحه الأنانية بعيدًا عن البعد الجماعي.

في الواقع لقد حاول الفيلسوف الليبرالي “جيريمي بينثام” مؤسس هذه الفلسفة، ألّا يجعل الأخلاق أنانيةً، فهو عندما كان يحلل الدافع الأخلاقي، لقد اهتم اهتمامًا بالغًا بمسألة “المصلحة العامة”، وذلك من خلال البحث عن الطريقة التي تتم بها “عقلنة أنانية الفرد” وتحويلها إلى منفعة تصب في صالح العدل والمصلحة العامة للمجتمع، عبر تحقيق ما يصطلح عليه “مبدأ أكبر سعادة” The Greatest happiness principle لأكبر عدد من الناس.

يقول “جيرمي بينثام”:

“المجتمع جسم وهمي يتكون من أشخاص الأفراد الذين يُعتبرون مشكّلين له وكأنهم أعضاؤه؛ ما هي مصلحة المجتمع إذن؟ إنما هي مجموع مصالح الأعضاء العديدين الذين يتشكل منهم”.

Jeremy Bentham, Principles of Political and Morals and Legislation.

تعطي الليبرالية الكلاسيكية أهميةً كبيرة للفرد وتقلل أكبر قدر من القيود عليه، للسماح له بالإبداع والإنتاج، ولن يحقق الفرد هذا الأمر بكل تأكيد إلا بتفاعله مع الأفراد الآخرين داخل ما نسميه بالمجتمع، فالعلاقات الاجتماعية ذات أهمية بالغة لتحقيق السعادة عند الفرد، ومصلحة المجتمع هي أيضًا غير منفصلة عن مصلحة الأفراد الذين يشكلونه.

عقلنة الأنانية

 إذا نظرنا إلى سلوك أو إجراء الحجر الصحي ووضعناه على مقاس “الاستدلال النفعي” Utilitarian reasoning، سنعتبره بدون شك سلوكًا صائبًا، لأن النتائج التي حققها  في مواجهة جائحة كورونا نافعة فعلًا، وثبتت منفعتها بالتجربة على أرض الواقع، فضلًا عن أن منفعتها هذه تعود على أكبر عدد من الناس، ما يتوافق مع فلسفة بينثام النفعية.

لا يتعارض هذا الأمر مع الفردانية أو مصلحة الفرد أو حتى أنانيته، لأن في الواقع تلك الأنانية والمصلحة الخاصة هي التي تجعل من الفرد يحترم الحجر الصحي و يلتزم به، لأن هذا الالتزام يعني حفظ نفسه من الهلاك، أي تحقيق مصلحته الخاصة، ما يؤدي بغير قصد إلى حفظ سلامة غيره أي تحقيق المصلحة العامة!

هذا ما يسميه الاقتصادي الليبرالي “آدم سميث” مفهوم “اليد الخفية” The Invisible hand، حيث تؤدي مسألة اهتمام الفرد بأنانيته ومصلحته الخاصة، إلى تحقيق منفعة غير مقصودة للآخرين (مصلحة عامة). لقد طرح سميث هذا المفهوم على مستوى الاقتصاد، لكن يمكن إسقاطه على مسائل اجتماعية أيضًا، ما دام له ارتباطٌ مع العلاقة التي تجمع المصلحة الخاصة و العامة.

 لقد كان كبير الليبرالية الكلاسيكية محقًا عندما ربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة، وكان واقعيًا عندما اهتم بمسألة “عقلنة الأنانية”، لكنه كان حكيمًا عندما قال:

 “السر العظيم للمعرفة هو تحويل الغرور إلى أشياء قويمة”.

Adam Smith, The Theory of Moral Sentiments.

المتعة المؤجلة

قد يعتقد البعض ن الفرد قد يطمح إلى إشباع رغباته بشكلٍ آنيٍّ وسريع، ما سيجعله شخصًا يحاول خرق الحجر الصحي، و أنه من منظورٍ نفعي لا توجد مشكلة في هذا الأمر! لكن في الواقع، النفعية تنظر إلى النتائج من منظورها البعيد أيضًا.

فإذا كان، على سبيل المثال، سلوك تعاطي نوعٍ من المخدرات يحقق سعادةً لحظيةً وآنيةً للفرد، لكنه سيسبب له تعاسةً وأضرارًا بالغةً على المدى البعيد؛ يُعتبر سلوك تعاطي هذه المخدرات على مقاس “الاستدلال النفعي” سلوكًا وفعلًا خاطئًا لأنه يتجه نحو زيادة الضرر على حساب المنفعة، أي التعاسة على حساب السعادة.

وينطبق نفس المثال على الحجر الصحي، فإن خرقه لإشباع رغباتٍ آنية وتحقيق متعة لحظية، سيؤدي إلى عواقب سلبية مثل رفع احتمالية الإصابة بالوباء وهلاك الفرد وإضرار غيره وأسرته كذلك، أي الإضرار بمصلحته ومصالح الآخرين؛ بينما يكون الالتزام بالحجر الصحي أكثر منفعةً حتى يتمكن الفرد من إشباع رغباته بعد الجائحة، التي قد لا يحققها في حالة عدم التزامه بالإجراءات اللازمة.

نستحضر هنا مفهوم المتعة أو الإشباع المؤجل Delayed gratification، وهي العملية التي يقاوم فيها الفرد متعة أصغر وأكثر فورية، من أجل الحصول على منفعة على شكل مكافأة أكبر أو أكثر أهمية لاحقًا.

يقول الفيلسوف البراجماتي “ويليام جيمس”:

“إن الصدق هو النافع الوحيد في طريقة تفكيرنا، كما يعد الصواب هو المفيد الوحيد في طريقة سلوكنا، والمقصود بكل تأكيد المفيد في كل مجال، وبكل صورة، وعلى المدى الطويل”.

William James, The Meaning of truth.

حرية الفرد والمسؤولية

يقول الاقتصادي الليبرالي “فريديريش هايك”:

“لا تعني الحرية فقط أن الفرد لديه الفرصة والقدرة على الاختيار، بل تعني أيضًا أنه يجب أن يتحمل عواقب أفعاله ويحظى بالثناء عليها أو إلقاء اللوم عليها.. الحرية والمسؤولية لا تنفصلان”.

Friedrich Hayek, The Constitution of Liberty.

لنتخيل أن كبير الفلاسفة النفعيين الليبرالي البريطاني “جون إستيوارت ميل” حاضرٌ معنا في الوقت الراهن، لكان بدون شك من أول المعترضين على خرق الفرد للحجر الصحي، حتى ولو كان بداعي الحرية الفردية، رغم أنه يُعتبر من أكثر مفكري عصر التنوير دعوةً إلى تقدير الفرد وحريته واعتباره أحد أهم عوامل الرفاه.

يقول “جون إستيوارت ميل” في كتابه الشهير حول الحرية:

“إن كل من يتلقى حمايةً من المجتمع، يدين بشيءٍ مقابل تلك المنفعة، وحقيقة العيش في مجتمع تجعل من الواجب أن يلتزم الكل باحترام أو معاينة خط من السلوك تجاه الآخرين”.

ويضيف أيضًا:

“سيكون من سوء الفهم الكبير أن نفترض أن هذا المذهب (النفعية) يتمتع بعدم اكتراثية أنانية، ويزعم أن لا شأن للبشر بسلوك بعضهم البعض، وأن عليهم ألّا يهتموا بحسن سلوك وحسن حال بعضهم البعض… يدين الناس لمساعدة بعضهم البعض في تمييز الأفضل عن الأسوء، وتشجيع الأول وتجنب الثاني. لا بد أن يحفز بعضهم دائمًا لأجل المزيد من ممارسة قدراتهم العليا، وتوجيه مشاعرهم وأهدافهم صوب أشياء وتأملات حكيمة وليست حمقاء”.

Jhon Stuart Mill, On Liberty.

بناءً على ما سبق، يتضح لنا أن الحجر الصحي لا يتعارض مع مفهوم الفردانية في الليبرالية الكلاسيكية ولا يتعارض مع مصلحة الفرد الخاصة، بل إن هذه الأخيرة ستؤدي به إلى الالتزام بهذا الإجراء حتى يحمي نفسه ويحمي الآخرين بشكلٍ غير مباشر كما سبق وقلنا، وأن الفلسفة النفعية التي هي من إبداع فلاسفة ليبراليين كلاسيكيين، تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المجتمع وتجعل العلاقة بين المصلحة الخاصة والعامة هي علاقة تفاعل لا تعارض.

يحتاج الفرد فقط إلى المعرفة الصحيحة بمصلحته الخاصة وليس بالضرورة إلى الإجبار بمفهومه الحرفي والمجازي، فعندما يكون لدى الفرد دراية ووعيّ ومعرفة سليمة بمخاطر عدم الالتزام بالحجر الصحي، ويعيش داخل مجتمع حر يتميز بمؤسسات سليمة مثل سيادة القانون والأسواق الحرة، فإنه بكل تأكيد سيلتزم به، و سيساهم حينئذ في تقدم مجتمعه في مواجهة هذه الأزمة وفي مختلف المجالات.

نختم بما قاله عالم النفس المعرفي بجامعة هارفارد “ستيفن بينكر”:

“تقودنا المعرفة والمؤسسات السليمة نحو التقدم الأخلاقي”.

Steven Pinker, Enlightenment Now.


  • بواسطة: سامي بوعجاجة.
  • تدقيق لغوي: رأفت فياض.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

Avatar

كتب بواسطة سامي بوعجاجة

تعليق واحد

أترك تعليقاً
  1. نعم يتعارض، عندما يكون الحجر الصحي مفروض من قبل سلطة قوية كالحكومة تعطي لنفسها الحق في تطبيق مبدأ المصلحة بين الفرد والمجتمع باستخدام التخويف والترهيب كما في الانظمة الدكتاتورية ولكن تحت غطاء سيادة القانون والمصلحة العامة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آدم سميث؛ متنه الاقتصادي الحر

ما يمكن لفرانز كوهيل أن يعلمك عن نفسك؟