in ,

الجاهلية: شبه الجزيرة العربية ما قبل الإسلام

يعتبر الدين الإسلامي في هذه الفترة دين متعدد القوميات والطوائف الدينية (من بينهم السنة والشيعة التي تعتبر من أهم الطوائف على مدى واسع). يصنف الإسلام ضمن الأديان الإبراهيمية باستناده إلى جوهر قديم يعود بأصوله إلى منطقة الشرق الأدنى الذي يظهر أيضا في الديانتين اليهودية والمسيحية حيث تحتل شخصيات دينية مكانة بارزة مثل إبراهيم وسليمان وموسى.  ولكن بالرغم من تلك الجذور المشتركة والمبادلات العديدة وانتشار الإسلام على مدى ظهوره في بلاد تختلف في تنوعها مثل مناطق غرب إفريقيا وإندونيسيا إلا أنه يعتبر في جوهره ديانة عربية الأصل. 

من هنا يمكن طرح السؤال بكيف كانت طبيعة البيئة الدينية قبل مجيء الرسول محمد ورسالته بالإسلام في القرون ما قبل سنة 600. تستخدم اللغة العربية مصطلح ذو معان متعددة وهو الجاهلية لوصف تلك الفترة الزمنية وتأتي هذه الكلمة بمعنى الجهل وغياب القانون والوثنية – وفي وقت لاحق أصبحت تحمل معنى الارتداد عن الدين. عند أخذ ارتباط هذه المعاني بعضها ببعض يمكن وصف الجاهلية على أنها غياب الإسلام كوحي إلهي وقوة محركة لمجتمع منظم

بسبب هذا التصور السلبي الراسخ على صعيد المؤرخين الإسلاميين فإن الروايات التاريخية ضعيفة الى حد ما حول المعتقدات والإنجازات لهذه الحقبة.  ولكن بفضل اكتشافات علماء الآثار الحديثة التي يحتفل بها معرض الطرق الى شبه الجزيرة العربية Roads of Arabia exhibition في معرض Smithsonian’s Sackler أصبح من الممكن تصور هذا الزمن المبهر والغامض أمرا سهلا. 

توضح هذه الاكتشافات أن منطقة شبه الجزيرة العربية القديمة لم تكن فقط متنوعة سياسيا ولغويا بل وأيضا دينيا.  تكشف آثار مثل مكعب الحمرا (الذي يعتقد أنه كان مذبحا أو قاعدة تمثال) عناصر دينية مشتركة في مصر وبلاد الرافدين مثل الإله آبيس الذي يمثل شكل الثور بالإضافة إلى العدد الكبير من مواقد البخور والمذابح التي تستحضر روحانية القربان التي تتمثل في العهد القديم (التوراة). استمرت هذه التعددية حتى الحقبة المسيحية بينما كان البيزنطيون يمارسون نفوذهم في الشمال وظهور العديد من الجماعات اليهودية في منطقة شبه الجزيرة.  

وحتى المكان الأكثر قداسة في الإسلام -الكعبة المشرفة- كانت في وقت ما معبدا متعدد الالهة حيث كانت الأوثان والأصنام تملأ المكان كما جاء الذكر في القرآن الكريم.  قد تشير الهوية المزدوجة لهذا الموقع الديني –طبيعته الوثنية في زمن محمد وما يحمله الآن من طابع إسلامي لكونه موقع أضحية النبي إبراهيم فيما سبق- إلى تأثير توحيدي في وقت سابق. 

يمكن ملاحظة نقاط الاختلاف الأساسية بين فترتي الجاهلية والإسلام من خلال الأعمال الفنية لكليهما. تتسم العديد من القطع الفنية القديمة في فترة الجاهلية من لوحات الجنازات التجريدية إلى تماثيل ملوك دادان (ليحان) والأشغال المعدنية المستوحاة من العالم اليوناني-الروماني، بالطابع التمثيلي للإنسان.  وفي وقت العثور على أولى شواهد القبور الإسلامية في مكة، كانت الجماليات الإسلامية قد اتسمت باستخدامها الخط العريق المكرر والزخرفات الزهرية الأنيقة. 

مع ذلك تبدي الجاهلية بعضا من أوجه الاستمرارية مع وريثها الإسلامي والتي تظهر من خلال المناظر الطبيعة بقساوة طبيعتها وتنوعها من واحات ومنابع المياه التي شكلت أسس المدن –والتي ترأستها مكة والمدينة. 

وتعتبر التجارة في البخور الثمينة والذهب بالإضافة إلى منتجات الجلود المصنوعة في شبه الجزيرة من أبرز ما تتميز به هاتين الفترتين كما تشير إليه مهنة الرسول محمد كتاجر في مطلع حياته. وكانت الطرق نفسها التي سلكها العرب لنقل حمولات البخور القديمة في وقت قد استخدمت لجلب الحجاج إلى منطقة الحجاز المقدسة في القرون اللاحقة. 

وأخيرا يمكن ملاحظة ملامح النصوص العربية التي يبجلها المسلمون كوسيلة للوحي الإلهي في اللغة العربية كما هي في أوائل أشكالها في زمن الجاهلية. في مثال لذلك كان شعب الأنباط الذين حكموا منطقة جنوب السعودية والأردن يستخدمون اللغة العربية في أوائل أشكالها واللغة الآرامية في كتابة نصوصهم الأنباطية الخاصة بهم. بجمع هذه اللغة وأخرى سريانية أصبحت هذه اللغة العربية التي استخدمها المسلمون فيما بعد في توسعاتهم. استطاع العلماء في هذا العصر تعقب هذه التطورات اللغوية من خلال دراسة آثار النقوش التي قام بنقشها المتجولون على حجارة والتي في الغالب كانت قد شكلت جزءا من الطابع الإسلامي في المكان والتاريخ.  

وبناء على ذلك يمكننا من خلال دراسة المعالم التي ميزت الحضارة زمن الجاهلية عن الحضارة الإسلامية فيما بعد أن نشحذ حواسنا اتجاه المشهد الاجتماعي والثقافي الذي عاشه الرسول محمد. والذي يوضح بدوره التأثير الثوري لرسالته في هذا المكان بينما كانت وجوه الاستمرار في العيش التي تبلغ من العمر قرونا تخضع لدين جديد يلعب دورا كبيرا في تحديد صفات جميع المجتمعات اللاحقة في منطقة شبه الجزيرة. 

المصدر

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

رؤى عطاونة

كتب بواسطة رؤى عطاونة

أديبة هاوية، أدرس اللغة الإنجليزية، مهتمة بالفلسفة والفن والتاريخ والسياسة، أسعى إلى إيصال المحتوى الفكري القيم إلى المجتمع العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 مفهوما اقتصاديا يجب على الجميع معرفتها

البيروقراطية

البيروقراطية