in

التجارة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية

عانت البشرية في النصف الأول من القرن ال عشرين بسبب الانغلاق الاقتصادي والسياسي بشكل مأساوي جدًا، وبعد الحرب؛ كُلِّفَت جهود القادة نحو التحرير التجاري العالمي لتجنب تكرار سياسات الاكتفاء الذاتي التي انتشرت بشكل واسع في أوروبا أو تعريفة سموت-هاولي الكارثية التي أدت إلى إطالة أمد الكساد؛ الأمر الذي ساعد بدوره في تأجيج الاستياء السياسي في العالم مؤديًا إلى صعود الفاشية والنازية في أوروبا.

بسبب هذه المساوئ الذي لم يكن يظن أحد أنها ستقع، حاول قادة الدول إقرارَ السلام عالميًا من خلال عدد من المعاهدات والمنظمات الجديدة المكرسة لهذا الهدف، ومن بين هذه المعاهدات التي سنذكرها في هذه الفقرة هي الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة GATT وما نتج عنها؛ مرورًا بتأسيس المنظمة العالمية للتجارة.

الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT)

فشل أول اقتراح في عام 1947م لتأسيس منظمة التجارة العالمية بسبب القومية الاقتصادية التي بقيت متسربة في بعض القادة والخوف من أن السيطرة على الاقتصاد سيكون بعيدًا عن أيدي الحكومة لمنظمات أخرى، لذلك؛ وافقوا على إنشاء اتفاق عام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة، و أوضحوا أن هذه اتفاقية ليست منظمة بل مجرد اتفاقية متعددة الأطراف (تعني العديد من الدول مجتمعة للاتفاق على هذا).

دخلت الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة حيز التنفيذ في تاريخ 1 كانون الثاني/ يناير من عام 1948 بعد توقيعها من قبل 23 دولة، كان المغزى منها وضعَ إطار متعدد الأطراف للتخفيض المستمر للتعريفة الجمركية. عُقِدت سلسلة من جولات المفاوضات التي أسفرت عن تخفيض التعريفة الجمركية على نطاق واسع وانضمام المزيد من الدول إلى الاتفاقية. وقد سميت البلدان التي وقعت على هذه الاتفاقية بـ “الأطراف المتعاقدة” ومن أجل حل النزاعات التجارية بين أحد الأطراف المتعاقدة، أُنشِئَت أمانة صغيرة مقرها في جنيف، ولم يرغبوا في تسميتها مكتب المقر كي لا تتم أي إشارة بشيء آخر غير اتفاقية بين الدول.

من أجل حل النزاعات التجارة طُبِّقَت بعض الإجراءات؛ فإذا كانت هناك دولة A لديها تجارة مع البلد B، وأوقفت A صادرات البلد B عن طريق فرض التعريفات والحواجز عليها، فإن البلد B سوف يذهب إلى هذه الأمانة في جنيف ويشتكي من هذا الفعل، لذلك سيكون دور الأمانة للتحقق من ذلك جيدًا ومعرفة ما إذا كان تصرف البلد A قد انتهك الاتفاق، وإذا حدث، فسيسمح للبلد B الذي رفع النزاع بالانتقام (الرد بالمثل ويمكنهم أيضًا قياس الضرر الذي عانت منه الدولة B).

دعونا نقول أن دولة B قد تعرضت لأضرار بقيمة 100 مليون دولار في السنة بسبب تعريفات البلد A، ما سيحدث هو أن اللجنة سوف تسمح لك بفرض رسوم جمركية، بمثابة عقوبة على البلد A الذي خالف القواعد ويصبح بإمكانك وضع تعريفات على البضائع التي يرغب البلد A تصديرها إليك. لكن؛ سيتعين على جميع المتعاقدين المنضمين إلى الاتفاقية الموافقة على ذلك، وللقيام برد الفعل يجب أن تكون بحاجة إلى إجماع 100 ٪ من جميع الأطراف المتعاقدة بما في ذلك البلد الذي سيُعاقَب ولن توافق الدولة A على ذلك بالطبع ولن يكون هناك إجماع 100 ٪، لذلك؛ كان غير فعال تمامًا ولم يتم حدوث هذا أبدًا.

دخلت هذه الدول في العديد من الجولات التجارية وكانت كل واحدة منها تسعى لتحسين التجارة وإزالة العوائق والعديد من الأمور الأخرى للاتفاق عليها، وكانت بعض الجولات الشهيرة، مثل جولة طوكيو وأوروجواي، قد طالت سنواتٍ عدة بدون نتائج؛ لكن على رغم من ذلك، استمر هذا الاتفاق من عام 1948م إلى عام 1994 والسبب في ذلك أنه أنشأ نظامًا (مجموعة من القواعد والمبادئ والقواعد وإجراءات التشغيل التي توافق عليها الدول والتي يمكن أن تساعدهم على تنسيق أعمالهم). لذا؛ فإن فوائد النظام هي أنه يوفر إمكانية التنبؤ بشأن تصرفات الدول الأخرى. بسببها يمكن -الآن- التعامل مع دولة أخرى وقعت على هذه القواعد، وتأمل أن الدولة التي التزمت علنًا ​​باتباع هذه القواعد أن تكون أكثر ميلًا لعدم خرقها واحترامها، بدلًا من بلد يرفض الالتزام علنًا بها.

ومن المزايا الأخرى، كان “نظرية الدراجة التجارية – Bicycle Theory of Trade”؛ ما يعني أن كل دولة توقع على هذا الاتفاق، فهي ترجو العمل بشكل مستمر لتقليل الحواجز التجارية وبالتالي فإن هذه الدول ستبقى في تحرك إلى الأمام في اتجاه أكثر تحررًا نحو السوق. يشبه ركوب الدراجة؛ إذا استعملت الدراجة و استمررت في قيادتها ستتحرك للأمام، وإذا توقفت عن ذلك ستسقط. لذا؛ فكرتها هي إذا واصلنا التفاوض من أجل التجارة الحرة، على الأقل سنتحرك في هذا الاتجاه، وإذا توقفنا، فقد نعود إلى الأيام القديمة السيئة المتمثلة في القومية الاقتصادية والحمائية والحروب.

بعد ثمان من الجولات التجارية ضمن هذه الاتفاقية كانت آخرها وأهمها هي جولة أوروجواي التي امتدت طوال 8 سنوات، وانتهت بالاتفاق على إنشاء منظمة للتجارة العالمية المعروفة اليوم بـWTO  والسبب هو أن الغرض الأساسي من GATT لم تصل للهدف الذي أنشئت من أجله. فبدلًا من حل النزاعات التجارية، لم يكن لديها سوى القدرة على:

– تقديم مجموعة من القواعد التي يمكن للدول أن تعلن على الأقل أنها التزمت بها، وبالتالي إعطاء جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق بعض الحوافز لإتباع تلك القواعد.

– توفير منتدًى عالمي لمناقشة القضايا التجارية، والتفاوض من أجل الحد من الحواجز التجارية (في مجموعة من “الجولات” أو المفاوضات التجارية التي حدثت في مدن مختلفة في جميع أنحاء العالم).

على الرغم من أنها ليست مثالية وجيدة بما فيه الكفاية للتجارة؛ لا يمكن إنكار أنها ساعدت في تخفيض التعريفة الجمركية؛ الأمر الذي مكّن من زيادة هائلة في التجارة العالمية مقارنة بفترة الحروب والانغلاق الاقتصادي.

منظمة التجارة العالمية (WTO)

بمناسبة مرور 8 سنوات في جولة أوروجواي؛ اتُّفِق على تأسيس منظمة التجارة العالمية وتم هذا في المغرب بمدينة مراكش في 15 نيسان/ أبريل من عام 1994م، وتم التوقيع عليها من طرف 123 دولة (اليوم أصبح هناك أكثر من 160 دولة عضو في المنظمة) وخرجت المنظمة رسميًا للوجود في 1 كانون الثاني/ يناير من عام 1995م، وكان السبب هو جعلها أكثر فاعلية وأن يتم إيجاد وسيلة لحل النزاعات التجارية بين الأعضاء. الآن؛ لم تعد الدول مُسمَّاة بـ “الأطراف المتعاقدة” كما كانت تسمى من قبل تحت اتفاقية ال GATT، بل أصبحت هذه الدول تُعتبر أعضاءً في منظمةٍ عالميةٍ تُعَدُّ المحكمة العليا للنزاعات التجارية العالمية بين الدول، ويجب على كل الدول الموقعة أن تتخلى نسبيًا على سيادتها الاقتصادية من أجل المنظمة العالمية.

كانت الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة الأساسَ لإنشاء منظمة التجارة العالمية (WTO)؛ لكنّ المنظمة تشرف الآن على أكثر من 20 اتفاقية، وليس هي نفسها من تطبق القواعد على الدول بنفسها، إنها أشبه بالمحكمة؛ تُصدر الأحكام فقط، ويعود الأمر إلى الأعضاء أنفسهم لتطبيق هذه الأحكام. إذًا؛ عندما تفوز الدولة بالنزاع وعندما يُسمَح لها بالانتقام من بلد كان يخرق القواعد، فإن الأمر متروك لذلك البلد لفرض إجراء انتقامي، وليس لمنظمة التجارة العالمية نفسها. هكذا تُفرَضُ العقوبات من قبل الأعضاء أنفسهم على الأعضاء مُنتهكي الاتفاقيات التجارية تحت رعاية المنظمة.

مبادئ التجارة الدولية التي تيسرها منظمة التجارة العالمية

–   عدم التمييز: ويشمل ذلك الحفاظ على مبدأ دولة أولى بالرعاية Most favoured nation، وهو ما يعني: إذا كان بلدك عضوًا في منظمة التجارة العالمية، عليك معاملة الشركات من الدول الأعضاء الآخرين في منظمة التجارة العالمية بنفس الطريقة التي تعامل بها الشركات الخاصة بك عندما يتعلق الأمر بقضايا التجارة.

–   المعاملة بالمثل: لا يجوز لأي دولة الاستفادة من سياسة التجارة الليبرالية دون تحرير سياستها التجارية.

–   إنفاذ الالتزامات: تضمن هذه الالتزامات أن التغييرات التي تطرأ على السياسة التجارية الوطنية والتي تنتهك قواعد منظمة التجارة العالمية يمكن حلها من خلال هيئة تسوية المنازعات التابعة لمنظمة التجارة العالمية (DSB).

–   الشفافية: تقوم منظمة التجارة العالمية بمراجعة السياسات التجارية الوطنية وإتاحتها لحكومات البلدان الأخرى عند الطلب.

–   الوقاية: هذا يسمح باستثناءات لتحرير التجارة في الحالات التي تنطوي على البيئة أو الصحة العامة أو الحياة البرية، على الرغم من أن القيود يجب أن تثبت أنها ليست لأسباب اقتصادية. 

طريقة حل النزاعات التجارية في ظل منظمة التجارة العالمية

بموجب منظمة التجارة العالمية فإن حل النزاعات التجارية أصبح يحدث بطريقة أفضل مما كان من قبل في ظل اتفاقية الـ GATT، يبقى نفس الأساس الذي شرحناه من قبل. لكن؛ أصبح الآن بإمكان البلد الذي سيُعاقَب -إذا لم تعجبه اتهامات الطرف الآخر- أن يتصلَ بهيئة الاستئناف -وهي لجنة مكونة من سبعة خبراء قانونيين، وهم يأتون من جميع أنحاء العالم، خدموا سنواتٍ عديدةً في جنيف على أنهم أعضاءٌ في هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية، وستنظر تلك الهيئة الاستئنافية في قرار اللجنة الأولى وتقرر: هل اتبعت الاتفاقيات كما يجب بين البلدين؟ هل تم كل شيء بشكل صحيح؟ هل تم النظر في جميع الأدلة؟ وإذا تمسكوا بحكم اللجنة الأولية، فلن يكون هناك أي لجوء إضافي.

على الرغم من أنه من المفترض أن تستغرق العملية برمتها ما لا يزيد عن تسعة أشهر إلى سنة لقرار اللجنة الأولية، وثلاثة أشهر لفريق الطعون، في الممارسة العملية، فإن النزاعات تستغرق أحيانًا وقتًا أطول بكثير لحلها. وهذا من أهم مساوئ حل النزاعات في ظل منظمة التجارة العالمية؛ لأنّ الأمر يستغرق سنوات عدة؛ على عكس ما اتفقَ عليه أعضاء المنظمة بأن يكون سنة واحدة أو سنة وثلاثة أشهر في حالة طعن الدولة التي يتم محاكمتها لهيئة الاستئناف.

من هنا تبقى الطريقة الوحيدة التي يمكن بها البلد أن يُعفى من المُعاقبة، هي عن طريق أن يتم “إجماع عكسي”؛ أي أن يصوّت 100٪ من أعضاء منظمة التجارة على إلغاء الحكم بما في ذلك الدولة التي فازت في النزاع، وهذا ما لا يمكن أن يحدث أبدًا. هل ترى الآن الفرق بين اتفاقية GATT ومنظمة التجارة العالمية في إدارة النزاع التجاري؟ لقد حولوا الأمر تمامًا بطريقة عكسية.

يجب أن يفهم القارئ أنه في ظل هذه المنظمة؛ إذا كان هناك نزاع تجاري مع دولة أخرى، ليس من المفترض أن تأخذ الدولة القانون بأيديها؛ ولكن يجب عليها العمل من خلال منظمة التجارة العالمية، بسبب تعهدها بهذا عندما أصبحت عضوًا في المنظمة وأعطت الحق لمنظمة التجارة العالمية أن تتعامل مع النزاع التجاري.

فقد تتخذ الدولة في وقت ما إجراءاتٍ وفقًا لقوانين التجارة الخاصة بها حتى تتمكن من التحرك بسرعة وتتخذ إجراءات سريعة للاستجابة للنزاع التجاري، ولكن؛ يجب أن تكون متسقة مع القواعد والاتفاقيات التي أبرمتها الدولة مع منظمة التجارة العالمية. فإذا اعترض شخص على ما فعلته هذه الدولة، يمكن أن يُؤخذَ النزاع إلى منظمة التجارة العالمية ويُخلَق نزاع تجاري يتم حله داخلها، وإذا حكمت منظمة التجارة العالمية ضد ذلك البلد، فسيتم إخضاعها للسلطة العليا لمنظمة التجارة العالمية؛ لأنها تعتبرُ في عالم التجارة اليوم مثلَ المحكمة العليا للتجارة الدولية؛ أي هي من يأخذ الدعوة النهائية في النزاع التجاري.

في بعض الحالات؛ يكون فرض التعريفات في وقت ما لا يكفي للانتقام، فما تقوم به الدولة التي رفعت الدعوى هو بالمطالبة بالانتقام بطريقة أكثر تأثيرًا وتطلب الإذن للقيام بهذا من منظمة التجارة العالمية من أجل إلحاق مزيد من الأذى بهذا البلد ويمكن أن يكون هذا الأذى مثل خرق حقوق الملكية الفكرية على منتج يبيعونه في سوقها.

يمكن أيضًا أن يكون الانتقام في قطاع مختلف تمامًا يؤثر على صناعة مختلفة تمامًا لم تكن متورطة في النزاع، والسبب في ذلك هو الأمل في أن تتم معاقبة البلاد، وأن تتأثر الصناعة (على سبيل المثال صناعة الأحذية) لكي تشعر بالضيق لدرجة أن المدير التنفيذي لصناعة الأحذية سيلجأ إلى حكومته ويحتج من أجل إيقاف الممارسة غير العادلة التي تقوم به حكومته في مجال السيارات على سبيل المثال؛ لأنّ صاحب صناعة الأحذية أصبح هو مَن يُعاقَب.

  • إعداد: محمد مطيع.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

محمد مطيع

كتب بواسطة محمد مطيع

خبير ومحلل اقتصادي، مهتم بالفلسفة، السياسة و الأدب الروسي. أكتب مقالات اقتصادية و سياسية بهدف إغناء المحتوى العربي و الشمال إفريقي بمواضيع و أفكار الحرية، الرأسمالية و الفردانية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تزييف الصين لحجم اقتصادها: تؤكِّد التقارير أن الاقتصاد الصيني أصغر بنسبة 12% من الأرقام الرسمية!

من هو ابن خلدون؟