in

الاشتراكية: نهب شرعي

“عند قراءتي لأعمال باستيا اكتشفت مدافعًا راقيًا وشرسًا عن الحرية والاستقلالية الفردية؛ فهو يذكرنا بأن قوة الدولة تجد أصلًا لها في قوة الأفراد والمواطنين لا في الحكومة والمسيرين”.

هكذا عبرت مارغريت تاثشر في خضم حديثها عن تأثرها البالغ بأعمال الفيلسوف الاقتصادي الفرنسي كلود فريدريك باستيا (1850-1801)، الذي اشتهر على قصر عمره باعتباره رائدًا في مجال فلسفة الحرية في القرن التاسع عشر وإيمانه بالحرية مبدأً إنسانيًا يتماهى والطبيعة الإنسانية وبالتالي تركيزه على ضرورة احترامها كمعطى ثابتًا وطبيعيًا.

ترك للبشرية إرثًا فكريًا رصينًا، اعتبر -ولا يزال- عمودًا من الأعمدة التي رفعت سقف الحرية في أوروبا في عز الانتشار الشيوعي وهيمنة الأفكار الحمائية على النخب السياسية آنذاك لاجئًا لأسلوبه التهكمي ذي الطابع الاستدلالي الذي اشتهر به من خلال عدة أعمال نذكر منها : (الملكية والسرقة؛ الدولة؛ ما يرى وما لا يرى؛ مغالطات اقتصادية؛ القانون والملكية؛ العدالة والأخوة؛ الحمائية والشيوعية؛ القانون) .

اعتبرت هذه الأعمال حجر أساس ومصدر إلهام لعدة مدارس اقتصادية أهمها المدرسة النمساوية ومدرسة الخيار العام. 

ولعل الفكرة الأسمى التي تتمحور حولها أغلب هذه الأعمال يمكن تمثيلها في قول له أقتبسه هنا من كتابه “القانون“؛ كتاب باستيا اليتيم الذي ترجم إلى اللغة العربية على يد مشروع “منبر الحرية” ونشر ضمن إصدارات الأهلية للنشر والتوزيع، والذي اعتمدته مصدرًا أساسيًا في مقالتي هذه؛ يقول باستيا: 

“يجب على الدولة أن تقتصر على تحقيق العدالة والسلم والأمن وتترك المجال للأفراد لتحقيق ذواتهم وممارسة حريتهم الفردية”. 

إن باستيا -كما هو واضح هنا- يَعتبر الحرية سابقةً على كل تشريع بشري وأسمى منه، بل هي -رفقة الوجود والملكية- ما يشكل الإنسان، لهذا يجب على الدولة أن تبقي أنفها بعيدًا عن الاقتصاد وأن يقتصر عملها على توفير الأمن الذي -يردف باستيا- أننا لن ندرك وجود دولة تحترم الشخصية والعمل الحر إلا من خلال نعمته التي لا تقدر بثمن.

يرى باستيا أن القانون قد سهل استغلال شخصية الآخر وحريته وملكيته؛ فحوّل النهب إلى حق، كما حول الدفاع الشرعي عن الملكية والحرية إلى جريمة. وقد أدى إلى هذا التحول ما أسماه : “الأنانية الحمقاء والنزعات الخيرية الزائفة”.

بحديثنا عن النهب الذي يصف باستيا تبني القانون له بـ “أعظم تغيير وأحسم شر يمكن أن يتسرب للمجتمع” ثم يقسمه إلى قسمين:

  • نهب غير شرعي من السرقة والاحتيال الذي يتوقعه القانون الجنائي ويعاقب مقترفه منذ الأزل.
  • نهب شرعي ينظمه القانون ويقويه وهو الذي عرفه قائلًا: “كيف نتعرف إلى النهب الشرعي؟ ذلك أمر هيّن. يجب النظر فيما إذا كان القانون يأخذ من البعض ما لهم ليعطي لآخرين ما ليس لهم. إذا كان القانون ينفع مواطنًا على حساب الآخرين من خلال عمل يعجز ذلك المواطن عن القيام به دون ارتكاب جريمة، فعجلوا بإلغاء هذا القانون”. فيمكن إسقاط النهب الشرعي هنا على أي حالة انتقلت فيها نسبة من ملكية فرد دون رضاه أو تعويضه إلى آخر لم يوجدها ولم يبذل جهدًا لاكتسابها، نقول هنا “أن الملكية قد انتهكت، وإن ثمة نهب”.

يقدم لنا فريدريك باستيا مثالًا لهذا النهب الشرعي بالتعليم المجاني “العمومي” حينما يرتكب القانون جريمة النهب الشرعي من خلال انتهاك الحرية والملكية؛ إذ يُكرَه الأفراد على دفع أجور المعلمين المكلفين بتعليم الآخرين بالمجان عن طريق الضريبة.

أما أضرب ممارسة هذا النهب الشرعي فتتغير وتتلون بتغير زمان ومكان ممارسته والحكومة الممارسة له، ومدى تقبل الأفراد لهذا النهب، إلا أننا يمكن ملامسته عمومًا من خلال التعريفات والحماية، والإعانات المالية والتشجيعات، والضرائب التصاعدية، والخدمات الاجتماعية المجانية، وتوحيد الأجور وتسقيفها.

يرتكز النهب الشرعي على الجشع البشري والأعمال الإنسانية الخيرية الزائفة كجذران له حسب تعبير باستيا الذي يرى استحالة فرض مبدأ الأخوة الخيري بقوة القانون دون أن يعتدي هذا القانون على الحرية الفردية، ودون أن تداس العدالة بالأقدام شرعًا.

إن مجموع هذه الممارسات باشتراكها في النهب الجماعي هو ما يسمى الاشتراكية.

إن التطور التدريجي للنهب يظهر لكل دارس من خلال ثلاثة أنظمة هي: الحمائية والاشتراكية والشيوعية؛ فهذه الثلاثية ليست إلا نبتة واحدة في مراحل ثلاث مختلفة من نموها.

ولمواجهة هذا النهب يقترح علينا باستيا في نصه المعنون بـ “الاختيار أمامنا” أحد الحلول الثلاثة:

  • عدم النهب؛ هو مبدأ العدالة والنظام الذي يرجى الوصول إليه وتشرئِّب الأعناق لاعتناقه.
  • النهب الشرعي المحدود؛ حينما تنهب القلةُ الكثرةَ وهو النظام الذي يلجأ إليه لمنع غزو الاشتراكية.
  • النهب الشرعي الشامل؛ حينما يسود قانون الغاب أو يغيب القانون باعتباره عدالة.

يركز باستيا على لفظة “الحرب” كلما استرسل في حديثه عن مواجهة الاشتراكية، ونجده في قوله: “أي حرب يمكن أن تشنوا على الاشتراكية إن لم تكن حربا مذهبية؟” وفي اقتباسه لقول دي مونتالامبير: “يجب أن تكون الحرب على الاشتراكية منسجمة مع القانون والشرف والعدالة” ولعل المبرر المنطقي للجوء إلى هذا المعجم هو صعوبة مواجهة هذا الفكر الذي يستجدي العاطفة ويتخذ القانون منطلقًا له كما عبر باستيا في رده على قول دي مونتالامبير الأخيرة: “هل تريد مواجهة الاشتراكية بالقانون؟ ولكن الاشتراكية إنما تستند إلى القانون. إنها تتطلع إلى نهب شرعي، لا إلى نهب غير شرعي”.

فكيف سنواجه نهبًا يجعل من القانون سندًا له؟

يجيب باستيا مرة أخرى:

“الحرية تحطيم لكل الاستبداد، بما في ذلك الاستبداد الشرعي؛ إذا أردتم أن تكونوا أقوياء فابدَؤُوا باقتلاع كل ما قد يكون تسرب إلى تشريعكم من الاشتراكية”


  • بواسطة: Abdelghafour Bajaddi.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

هذا المقال نُشر في إطار فعاليات مسابقة #عن_الحرية.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

فريق وندرلاست

كتب بواسطة فريق وندرلاست

مشروع يعمل على الدفاع عن أفكار ومبادئ الحرية، ويشجع على العمل والإنتاج والتحصيل المعرفي البنّاء. نحنُ نُقدم مرجعا معرفيا ينمو باستمرار، يشمل مواد ومقالات عن الحرية الفردية والملكية الخاصة، السوق الحرة وأخلاقيات السلم وعدم الاعتداء.

اترك تعليقاً

Avatar

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قراءة في كتاب “عن الحرية” لجون ستيوارت ميل

آدم سميث؛ متنه الاقتصادي الحر