الأفراد ضد الحكومات قديما وحديثا
in

الأفراد ضد الحكومات قديما وحديثا

كتب الفيلسوف والرياضي البريطاني المعروف برتراند رسل Bertrand Russell كتيبا صغيرا ومشوقا عن هذا الموضوع، بعنوان مختصر جدا (السلطة والفرد، منشورات الجمل). وضمنه فصلين بعنوانين مهمين: “المواهب الفردية” و”السيطرة الحكومية والإبداع الفردي”. كان رسل يفكر “في طريقة لتشجيع كل ما من شأنه جعل الحياة الإنسانية أسمى مما هي عليه الآن” حسب قوله، لأن الحكومات والطغيان جعلاها تنتقل من حرب إلى حرب أخرى، وجعلاها تواجه “أعداءها الثلاثة الكبار: الجهل والفقر والمرض” بلا معين في نظره. إن شيئا من السلام والرخاء الذي انتشر بين الفينة والأخرى في بعض البلدان لم يكن ليحدث إلا لما عرفته تلك المجتمعات من تحرر وتحجيم لسلط الحكام وبمواهب أفراد استثنائيين يجود بهم المجتمع.

إن الحكومة، ومنذ فجر تاريخها المدون، كانت الآلة الأكثر إنتاجا للإكراه ضد الأفراد. لقد سحقت المواهب المبدعة حتى تحول نشاطها إلى ركود وخمول. هذا النشاط الذي يشكل نفعا لا تستطيع أي حكومة مهما علا شأنها أن تبدعه أو تنتجه بسياساتها ووسائلها وتدابيرها وتخطيطها. إن الحكومة عاجزة عن صناعة قلم رصاص كما قال الاقتصادي المشهور ليونارد ريد في نصه المعروف “أنا قلم الرصاص”.

غير أن الحكومة لم تكن وحدة متجانسة عبر التاريخ، ولم يكن بطشها وتغولها على حساب الأفراد بنفس الدرجة دائما، بل يتفاوت من عصر إلى آخر. لذا، كانت ملاحظة الفيلسوف الفرنسي أليكس دو توكفيل التي سجلها في كتابه الأهم (الديمقراطية في أمريكا 1835) ذات أهمية كبيرة، لما قال أن:

“طغيان الأباطرة كان شديد القسوة على القلة، ولكنه لم يصل إلى العدد الأكبر من الناس، بينما يتخذ الاستبداد الذي يسود في أوساط الشعوب الديمقراطية هذه الأيام طابعاً مختلفاً؛ إنه أكثر شمولاً وأقل وطأة؛ يهين الناس ولكنه لا يعذبهم”.

كان دو توكفيل شاهدا على عصر التحول من الإمبراطوريات المترامية الأطراف التي تعوزها القدرة على المراقبة الدائمة لكل فرد من أفراد شعبها بشكل مباشر ومستمر إلى عصر الحكومات الشاملة، عصر الحكومات الديمقراطية التي امتلكت من الوسائل ما لم يتوفر لغيرها، ومنها أسلحة متطورة لشن الحروب، استعملتها أيضا لترهيب الأفراد وتأديبهم وتصفيتهم. لقد وفر السلاح القوة للحكومات، ولم تجد من رادع يمنعها من استعماله حتى ضد أولئك الذين اشتري بما دفعوه من جيوبهم كضرائب.

كان القرن الخامس عشر لحظة فارقة في صراع الأفراد ضد سلطة الحكومة. لقد سجل برتراند رسل بعمق في كتابه “السلطة والفرد” أن “قوة الأفراد بدأت تضعف باستمرار بينما أخذت قوة الدولة تزداد”، بفضل اختراع بسيط قلب معايير القوة بين سلطة الدولة وحرية الأفراد؛ إنه اختراع البارود. أدى هذا الاختراع فيما بعد لنشوب حروب كثيرة، حروب اقتضت ضرورتها تكوين دول في استعداد دائم لمواجهة عدو خارجي متربص، دول يحكمها سلاطين وملوك يدعون الحفاظ على الوحدة القومية ويسحقون حرية الأفراد بلا هوادة.

“وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بلغت قوة الدولة مداها” حسب رسل.  لقد برزت الدولة التي تحفظ النظام، الدولة التي تدعي توفير الأمن، إنها الدولة التي سيقل فيها تمتع الأفراد بالحرية بشكل كبير أكثر من ذي قبل. لم يكن هذا سوى سببا واحدا من بين أسباب أخرى أدت بشكل مباشر لبروز طائفة من فلاسفة الحرية، “وبدأ كثير من الناس يتغنون بالحرية الفردية” !

 وأخيرا جاء عصر العلم والتطور التقني وثورة الصناعة. لقد كان ذلك عونا “للعلماء كي يحافظوا على حياتهم بعد أن شعرت الحكومة بأنهم يستطيعون تجهيزها (عن طريق مخترعاتهم العلمية) بأسلحة فتاكة في الحروب.” إلا أن العدد الأكبر من الأفراد “لم يستطع التخلص من سيطرة الحكومة التي لا يرغبون فيها”، والتي مكنت لنفسها بواسطة العلم واستغلال جهود العلماء في تمديد سلطتها وتقويتها وترهيب مواطنيها قبل الأعداء الخارجيين.

عاش الأفراد تجارب مريرة في العصر الحديث في مواجهة سلطة الحكومات. لقد “حاول التنظيم النازي مثلا وضع الناس في قوالب معينة وفقا لأهواء الدولة”. أما في الاتحاد السوفيتي فقد “كبرت الدولة وتضاءلت مشاريع الأفراد وتغلب عنصر المحافظة على عنصري الإبداع والتغيير”. وانتهى الأمر بانهيار الصرح بكامله، ولا يزال ما تبقى من الشعوب التي امتد إليها حكم القياصرة الشيوعيين يتحمل تبعات تلك الأفكار المدمرة.

إن هذا العصر، شهد ديكتاتوريات كبيرة دلفت إلى ليل التاريخ، بينما ما تزال أخرى تقاوم منطق التاريخ واتجاهه. و”عرض الأفراد الذين يحملون أفكارا تعارض فكر الدولة أنفسهم للخطر كما تعرضت أفكارهم للخطر كذلك”. ولجأت الحكومات الديكتاتورية “للقتل والاغتيال والسجن للتخلص من الآراء التي لا تتفق وآراء الحكام.”

ولا يختلف الأمر عن المجتمعات الديمقراطية سوى في الدرجة. فنحن “نعيش في عصر “تركيز السلطة وتنظيم المجتمع إلى درجة شل فيها النشاط الفردي”. وفي هذه “المجتمعات المنظمة تنظيما عاليا تكون لأفراد الحكومة مصالح خاصة كثيرا ما تتعارض مع مصلحة المجتمع”. ولا “تسمح الديمقراطية بوضعها الحاضر إلا للأقلية الضئيلة في ممارسة الحقوق السياسية العامة على نطاق ملائم.”

ما تزال الحكومات تتصارع وتخلق الحروب. وتعد الحروب والمعارك واحدة من الحيل التي اخترعتها الحكومات على مر التاريخ “لبث الوحدة بين المواطنين”، وللدوس على حرية الأفراد وإكراههم على ما لا يستطيعون تقبله في فترات السلم والرخاء المادي والاقتصادي. وفي أقل الحالات فإنها تلقي اللوم على الآخرين والمنافسين “والأعداء” البعيدين. من قال أن الحكومات تعوزها الحيل لما يتعلق الأمر بسرقة حرية الأفراد ومنعهم من التمتع بها؟

وما يزال “تركز السلطة يؤدي إلى السيطرة على وسائل النشر. وهذا يؤدي إلى عدم السماح للآراء المعارضة بالتعبير عن نفسها. وإذا عبرت بعض تلك الآراء عن نفسها تعرض أصحابها للخطر. إن مثل هذه الحالة تشل حركة تقدم المجتمع” لكن من قال أننا لا نعيش في مجتمعات مشلولة؟

إن “القول بأن مصالح المجتمع أسمى من مصالح الأفراد الذين يكونونه قول غير صحيح على إطلاقه. وهو يؤدي بصورة مباشرة إلى الديكتاتورية” حسب تعليق برتراند رسل. وهي واحدة من أكبر المغالطات التي ينبغي محوها من أدمغة الناس كي لا يتعرضوا لمزيد من الخداع باسمها، كي لا تسرق حريتهم كأفراد إلى الأبد. 

يؤدي إعلاء مصالح المجتمع إلى نشأة الديكتاتورية، أما إعلاء مصالح الأفراد فيؤدي إلى ازدهار المجتمع وإلى التقدم والتمدن وسمو الحياة الإنسانية. 

ولفهم هذا، تعد قراءة هذا النص الذي كتبه برتراند راسل عام 1949 ضرورة ملحة لأجيال اليوم.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

كتب بواسطة رشيد أوراز

باحث في الاقتصاد السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقاومة البيتكوين: كيف يستخدم اللبنانيون البيتكوين للتغلب على الأزمة الاقتصادية

الحق في الحرية

هل يمكننا أن نتخلى عن الحق في الحرية؟