in

اكتشاف أداة حجرية قديمة يعيد كتابة التاريخ البشري المبكر

نعرض فيما يلي دراسةً تلقي نظرةً إلى شبه الجزيرة الإيبيرية قبل نحو 40,000 سنة.

بينما أخذ نوعنا الإنسان العاقل Homo sapiens ينتشر ويستحوذ في جميع أنحاء الكوكب ويستبدل الأنواع البشرية الأخرى من جنس Homo، حاول إنسان النياندرتال Homo neanderthalensis الصمودَ في منطقة في أقصى غرب أوروبا؛ هي شبه الجزيرة الإيبيرية.

شكلت شبه الجزيرة الإيبيرية التي تتمثل الآن في إسبانيا والبرتغال موطن النياندارتال وموقعه الأخير؛ قبل تمكن البشر من السيطرة وفرض نفوذهم، ولكن على عكس ما توصلت إليه نتائج الأبحاث الأخيرة؛ كانت سيادة الإنسان في إيبيريا قد بدأت أبكر بكثير مما ظنَّ العلماء.

تكشف أحد الدراسات أن البشر سكنوا في منطقة وسط البرتغال الحالية منذ نحو 5000 سنة قبل الجدول الزمني التاريخي الذي وضعه الباحثون سابقًا. تستند الكرونولوجيا (تأريخ الأحداث  أو التسلسل الزمني- chronology) الحديثة إلى الاكتشاف الجديد المفاجئ لأدوات حجرية كان قد استعملها الإنسان الحديث في كهف يقع قرب المحيط الأطلسي.

تضمن كهف لابا دو بيكاريرو (Lapa do Picareiro) أدوات حجرية استخدمت للصيد والطهي، مماثلة لتلك المُكتشَفَة في مواقع مختلفة على امتداد أوراسيا (أوروبا وآسيا).

الأدوات الحجرية المكتشفة في كهف لابا دو بيكاريرو.

تغيّرُ هذه النتائج فهمَ الباحثين لانتشار الإنسان الحديث عبر التاريخ وتكشف أيضًا تأثير التغير المناخي وعوامل بيئية أخرى على حركة أسلافنا عبر أوروبا.

نعيد كتابة التاريخ

تشير التقديرات السابقة إلى وصول الإنسان الحديث إلى الجزء الشمالي من شبه الجزيرة الإيبيرية منذ نحو 43,300 إلى 40,500 سنة. وقد ظنَّ الباحثون لوقت طويل أن وصول الإنسان الحديث إلى المناطق الجنوبية والغربية من شبه الجزيرة الإيبيرية كان بعد نحو 6,000 إلى 12,000 سنة من ذلك، والذي تأخر بسبب الأعداد الهائلة من سكان النياندرتال الذين عاشوا في تلك المنطقة.

تشير الدراسة الحديثة إلى أن هذه الآثار البشرية التي عثر عليها في وسط البرتغال يعود تاريخها إلى ما بين 41,100 و38,100 سنة. 

وهذا يشير إلى عدة أمور:

  • من المرجح استيطان (وجود) الإنسان في هذه المنطقة قبل ما هو مفهوم بكثير.
  • كانت أعداد سكان النياندرتال لتكون أقل بكثير مما ظنَّ الباحثون.
  • انتشر للإنسان الحديث على نحو سريع في جنوب أوروبا.
  • لم توجد حدودٌ طبيعيةٌ تفصل بين الإنسان الحديث والنياندرتال.

نشرت هذه النتائج يوم الإثنين في الثامن والعشرين من أيلول (سبتمبر) من عام 2020م في سجل الوقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأمريكية (Proceedings of the National Academy of Sciences).

انتشار دون عوائق

مع تجميع التفاصيل حول انتشار الإنسان القديم في أنحاء أوروبا؛ تتحدى هذه الدراسة الجديدة الاعتقادات السابقة بأن وجود النياندرتال في المنطقة أعاق تقدم الإنسان القديم غربا.

على العكس من ذلك، توضح هذه الدراسة أن الإنسان القديم حظي بانتشار من دون عوائق عبر أوراسيا (أوروبا وآسيا)، وربما لآلاف السنين تقاطع كلٌّ من الإنسان الحديث والنياندرتال عدة مرات.

تخبرنا دراسات سابقة بحدوث تزاوج بين أفراد الإنسان القديم والنياندرتال. في حقيقة الأمر تثبت أحد النتائج أن كل البشر الأحياء قد يكون لديهم بعضًا من الحمض النووي للنياندرتال، وذلك نتيجة الاتصال بين سكان النياندرتال بينما كان الإنسان العاقل ((Homo sapiens في انتشاره في مختلف أنحاء العالم.

بالرغم من ذلك لم يجد الباحثون في شبه الجزيرة الإيبيرية ما يدل على التواصل بين جماعات الإنسان الحديث مع إنسان النياندرتال، كمشاركة أدوات على سبيل المثال.

أدلة مناخية

تشير النتائج الجديدة أيضًا إلى النظرية التي تثبت أن “العوامل المناخية والتغير البيئي يؤديان دورًا مهمًا في الهجرة البشرية” وفقًا لما كتب مؤلفو الدراسة.

من الممكن أن فترات البرودة والجفاف قد أدت إلى التقليل من عدد سكان النياندرتال، وبالتالي المساهمة في إبقاء مساحة لقدوم البشر فيما بعد. نتيجة لذلك، كما يقول الباحثون، أخذ البشر بالتفرق بشكل يكاد أن يكون مشابهًا للفسيفساء في التوزيع بينما حلوا مكان إنسان النياندرتال.

بينما يأخذ فهمنا لتاريخ أسلافنا منحنى آخر، تصبح صورة نشأة الإنسانية أوضح فأوضح؛ ولكنها صورة لم تتخذ شكلها النهائي بعد، كما يقول جوناثان هوز مؤلف الدراسة الرئيس وبروفيسور في جامعة لويفيل في بيان له.ويضيف هوز (Haws):” إنني أعمل على تنقيب كهف لابا دو بيكاريرو لما يقارب 25 عامًا، وعندما نبدأ في التفكير أنه اكتفى من الكشف عما يخبئ، نعود لنكتشف مفاجأة جديدة. في كل بضعة أعوام يظهر شيء عظيم بين خفاياه فنستمر بالحفر من جديد”.

  • ترجمة: رؤى عطاونة.
  • مراجعة وتدقيق: نور عبدو.
  • مرجعة علمية: محمد علي.

المصدر

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

رؤى عطاونة

كتب بواسطة رؤى عطاونة

أديبة هاوية، أدرس اللغة الإنجليزية، مهتمة بالفلسفة والفن والتاريخ والسياسة، أسعى إلى إيصال المحتوى الفكري القيم إلى المجتمع العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

كيف نجحت القيم الليبرالية و مبدأ تقسيم العمل في القضاء على قيمة الحرب؟

ليس بطلًا! 9 حقائق صادمة عن تشي غيفارا