in ,

آدم سميث؛ متنه الاقتصادي الحر

منذ غابر الزمان، تجتاح العالم رياح عاتية من الرغبة في الاستمرار والرقي بالمجتمع البشري، من أجل بلوغ التوازن الاجتماعي وتحقيق رفاهية الشعوب؛ إذ هب ذلك النسيم العليل عبر أنظمة اجتماعية وسياسية واقتصادية. ذلك لأن صيرورة الرقي والتطور لأي دولة أو مجتمع بشري تقتضي تبني نظام اقتصادي معين، قصد تجنب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق التوازن المطلوب.

وقد انتهج الفلاسفة ورجال الاقتصاد دور البطولة في انبلاج هذه الأنظمة الاقتصادية والسياسية عبر التاريخ وخياطة لبوسها؛ إذ اختلفوا حول مسألة اختيار النظام الاقتصادي الأمثل والأنجح لتحقيق تلك الأمنيات التي تغنت بها البشرية. فكان من بين أهم هاته الأنظمة التي قدمت ما لم يقدمه أي نظام في كنف التاريخ؛ هو النظام الرأسمالي الذي اعتبر من لدن حفنة من المفكرين، النظام الأنجح والأفضل لكافة الشعوب؛ ذلك لأنه يحقق العدالة في المجتمع ويمنح الأفراد الحرية المطلقة في ممارسة كل الأنشطة الاقتصادية. وهذا ما جعله مميزًا عن باقي الأنظمة كالاشتراكية التي قمعت ونبذت الحرية الفردية، هذا فضلًا عن اتكالها على الدولة فقط، مما سمح للمشكلات الإدراية بأن تتسلل وتنسكب في المجتمع.

وقد حمل مشعل النظام الرأسمالي، ثلة من المفكرين العظماء، من أبرزهم “آدم سميث”. إذن؛ من هو آدم سميث؟ ماذا أضاف إلى النظام الرأسمالي؟ كيف نظر للحرية الاقتصادية؟

إذا كانت ذاكرة التاريخ تشهد لجون لوك بكونه حجر الزاوية للفكر الليبرالي الغربي والذي رسخ الحريات السياسية للفرد والدولة[1]، فإن قلب الفكر الليبرالي شيده مؤسس علم الاقتصاد “آدم سميث”؛ إذ إنه أسس علم الاقتصاد من خلال استئصاله عن مفاهيم الفلسفة التقليدية، ليصبح علمًا قائمًا بذاته، ومن ثم فلا مبالغة في شيء حينما يقال: “إن آدم سميث هو أب الاقتصاد”.

 ولد الفيلسوف والاقتصادي آدم سميث في مدينة اسكتلندية صغيرة، بتاريخ 5 حزيران (يونيو) 1723. إذ توفي والده قبل ولادته بشهرين، فأسمته أمه على اسم والده، وقد تتلمذ في مدرسة مدينته، وتميز بذاكرته القوية وولعه بالرياضيات والفلسفة[2]. على أنه انتقل عام 1737 وهو في الرابعة عشر من عمره إلى مدينة غلاسكو لمواصلة دراسته في الجامعة؛ ليدرس فيها ثلاث سنوات ثم انتقل إلى جامعة أوكسفورد. وفيما بعد شرع في قراءة كتب الفلاسفة، وعمل أستاذًا في المنطق في جامعة غلاسكو عام 1751 وهو في السابعة والعشرين من عمره. ثم عمل فيما بعد أستاذًا في فلسفة الأخلاق.

بعد هذه الحياة الفكرية الحافلة لسميث، توجها بأول كتاب له موسوم بعنوان “نظرية المشاعر الأخلاقية” عام 1759، وهو شاب في الخامسة والثلاثين من عمره؛ ليخرج إلى الوجود فيما بعد كتابه الذي أحدث ثورة وقتئذ وهو الكتاب الموسوم بعنوان “ثروة الأمم”.

اعتبر كتابه هذا من لدن الكثير من المفكرين الأساس الفكري لمفهوم آليات السوق الحرة الذي عملت به معظم الدول حتى يومنا هذا. فما برحت الأفكار “الميركانتيلية”[3] سائدة أو النظام الاقتصادي السائد في الغرب وقتئذ قائمًا، بعد مجيء هذا الرجل العظيم؛ إذ كان عصر هذا الرجل إيذانًا ببداية عصر حرية التجارة الدولية. ويرى البعض أن لولاه لما استطاعت الامبراطورية البريطانية أن تصل إلى عظمتها من خلال التجارة والمحافظة على المصالح التجارية.

بعد صداقة دامت وقتًا طويلًا مع الفيلسوف “ديفيد هيوم” وغيره من الفلاسفة أصبح المتن الفكري الحر لسميث أكثر متانة، إذ ارتكز على خلفية كون الثراء وتحقيق التوازن وتحقيق الرفاهية يأتيان من خلال القضاء على الانغلاق الاقتصادي وتوسيع رقعة التجارة الدولية، مؤكدًا أن هذا الثراء يقاس بحجم إنتاجها من السلع والخدمات. ومن أجل تحقيق هذا الهدف ذهب سميث لعدد من الركائز التي لا يمكن تحقيق الانطلاقة الاقتصادية نحو الرخاء والرفاهية من دونها، وهي كالآتي:

  • ضرورة بناء السلام الداخلي في المجتمعات والدولة.
  • ضرورة إيجاد نظام ضريبي غير خانق حتى يمكن للأفراد والمؤسسات أن تطور نفسها بما يسمح بتراكم رأسمالي مناسب.
  • الإدارة المتوازنة للعدالة.

إذ من خلال هذه الركائز الثلاث تستطيع السوق أن تنظم آلياتها بشكل طبيعي إذا ما تخلت الدولة عن سياستها الحمائية وتركت السوق لمصيرها الحر المتوقع.

وقد رأى سميث أن غريزة الميول نحو المصلحة الذاتية وحب المال، هي غريزة طبيعية تقبع دفينة داخل قريرة الإنسان؛ إذ من خلال هذه الغريزة فإن الإنسان يمكن له الارتقاء بوضعه الاقتصادي من خلال آليات السوق الحرة وفقًا لقدراته وإمكانياته، ورأى كذلك أن هذه الغريزة تمثل قوة الدفع الحقيقية للمجتمع ليتطور ويرقى بنفسه نحو مزيد من التقدم والتطور المتمثل في الثراء المادي والفكري والثقافي.

زبدة القول؛ كل هذا يبين القيمة العظيمة التي أضافها سميث إلى البشرية عامة في تحقيق التوازن في المجتمعات البشرية عبر الحرية الاقتصادية والفردية، والنظام الرأسمالي خاصة. إذ أكد على أن هذا النظام هو الأمثل والأفضل لتحقيق الحرية الاقتصادية؛ لأنه يقر بالملكية الفردية وإيمانه بالفرد وتتبع مصلحته في ممارسة أي نشاط اقتصادي يرغب فيه؛ فضلًا عن أنه أطلق مجموعة من الأفكار والمفاهيم الأساسية التي ما زالت تلازمنا حتى اليوم سنداتٍ أساسيةً للفكر الرأسمالي، من بينها “تقسيم العمل”.

المراجع والحواشي:

[1]: محمد عبد الستار البدري – من التاريخ: آدم سميث والحرية الاقتصادية، موقع الشرق الأوسط، اطلع عليه بتاريخ 2020/05/02.

[2]: موقع الجزيرة – آدم سميت، اطلع عليه بتاريخ 2020/05/02.

[3]: الميركانتيلية: هي مذهب تجاري ساد في أوروبا في الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر.


  • بواسطة: حمزة كدة.
  • تدقيق لغوي: نور عبدو.

هذا المقال نُشر في إطار فعاليات مسابقة #عن_الحرية.

ما تقييمك لهذا الموضوع؟

فريق وندرلاست

كتب بواسطة فريق وندرلاست

مشروع يعمل على الدفاع عن أفكار ومبادئ الحرية، ويشجع على العمل والإنتاج والتحصيل المعرفي البنّاء. نحنُ نُقدم مرجعا معرفيا ينمو باستمرار، يشمل مواد ومقالات عن الحرية الفردية والملكية الخاصة، السوق الحرة وأخلاقيات السلم وعدم الاعتداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاشتراكية: نهب شرعي

هل يتعارض إجراء الحجر الصحي مع الليبرالية والفردانية من منظور الأخلاق النفعية؟